يونس قنديل.. عنوان معركة التنوير ضد الظلامية

  • الكاتب : كشك
  • الاثنين 12 نوفمبر 2018, 08:41

العملية الإرهابية، من اختطاف واحتجاز وتعذيب، التي تعرض لها الكاتب الأردني يونس قنديل، الأمين العام لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، لا يمكن أن تمضي هكذا، لا هناك ولا هنا ولا في أي مكان من العالم، لأن ما حدث هو إنذار استباقي لهوية وسلوك واختيارات جماعة تتاجر بالدين وتهدد استقرار البلدان.

علينا أن نسمي الجماعة بمسماها الحقيقي: التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، هم من هيأ كل الشروط اللازمة لتنفيذ الاعتداء على يونس قنديل، كجزء من منهجهم وهويتهم في محاولة لإقصاء وإلغاء معارضيهم وكل من يقف في طريقهم، ولو وصل الأمر إلى ارتكاب جرائم إرهابية، من خطف وتعذيب واغتيال وتفجير...

فالإخوان المسلمون هم من قادوا الحملة التحريضية ضد المؤتمر الفكري، الذي كانت ستنظمه مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" في الأردن الأسبوع الماضي، وطلب المنع قدمته البرلمانية الإخوانية ديما طهبوب، فمُنع المؤتمر، ومُنعت حتى الندوة الصحفية، التي كان سيتحدث فيها يوسف قنديل عن كل الظروف والسياقات للمؤتمر الممنوع... وخلال ذلك، انطلقت حملة مسعورة قادتها كتائب الإخوان الإلكترونية لتشويه المنظمين والتحريض عليهم، وتكفيرهم، وتقديمهم في صورة كفار يريدون شرا بالذات الإلهية، ووصل التحريض أحيانا إلى حد الدعوة إلى التصفية الجسدية...

لا يهم من يكون أولئك الملثمون الثلاثة، الذين نكلوا بيونس قنديل، فهم، دائما في مثل هذه الحالات، مجرد أدوات تنفيذ، والمهم والجوهري هم المسؤولون الرئيسيون: الإخوان الذين ظلوا يوفرون البيئة الحاضنة، التي تفرخ متطرفين في كل مكان، ويخرج منهم جهلة أفَّاقون يُعدمون حق المخالفين في الحياة، فهم من قتلوا ناهض حتر في الأردن، وفي المغرب، هم من قتلوا عمر بنجلون في الدارالبيضاء، وقتلوا المعطي بوملي في وجدة، وقتلوا بنعيسى أيت الجيد في فاس، وهم من قتلوا الشاب حسني في الجزائر، وقتلوا شكري بلعيد ومحمد البراهمي في تونس، وقتلوا فرج فودة في مصر...

الاختلافات موجودة فقط في التفاصيل والتمظهرات، لكن الجوهر واحد، فهناك ذاك الخيط الناظم للتوجهات والإرشاد في التكتيك وفي الاستراتيجية.

الإخوان، رغم التقية والتمظهر بسلوكات "معصرنة"، يبقون باستمرار أوفياء للجماعة، ولمبادئها وتوجهاتها، والولاء لمرشديها وقادتها حد الخضوع بالسمع والطاعة... والموقف الاستئصالي من الآخر المختلف، هو واحد من مبادئ الجماعة، ولنقرأ العنف، الذي مارسوه على يونس قنديل، في جانبه الرمزي: حرق اللسان وكسر الإصبع، والمستهدف: إخراس صوت.. إخراسه ولو بالدم...

إن الوقوف في وجه هذه الجريمة الإرهابية مسؤولية جماعية لكل القوى الديمقراطية في كل مكان، لأن شراراتها يمكن أن تحرق كل بلد، كما أحرقت سوريا ومصر وليبيا واليمن... وهو، أيضا، وقوف في وجه قوى النكوصية والظلامية، التي باتت تستقوي بخلفية مالية ضخمة بالبترودولار، وتتسلل إلى هيئات الدولة والمجتمع، للتمكين باختراق مؤسسات الدولة ثم الهيمنة عليها، الذي ينتج عنه، بالضرورة، إغراق البلد في النار والدم والظلام...

إن ما وقع في الأردن يمكن أن يقع في أي بلد آخر، دون استبعاد أي بلد، بما في ذلك المغرب، لأن كثيرا من رياح التطرف تُصنع هنا، بين ظهرانينا، بتواطؤ مريب بين إخوان وسلفيين، الذين يحوّلون العديد من الفضاءات إلى مشاتل لتفريخ متطرفين، فلا يرعوون عن التحريض ضد نشطاء مغاربة لمجرد دفاعهم المتنور عن الحقوق المواطنية والإنسانية، وعن الحريات العامة والخاصة، وعن مجتمع الحداثة والديمقراطية... وتصل الأمور بدعاة التطرف والانغلاق إلى التحريض على إعمال "شرع اليد" في هؤلاء "الخارجين عن الملة والدين"، حسب معتقداتهم، التي توظف الدين في التحليل والتحريم ونشر قيم الحقد والكراهية، وتكفير مؤسسات وشخصيات سياسية وفكرية وحقوقية ومدنية مغربية، ما يفتح الباب أمام الجهلة المتطرفين لاستهداف تلك المؤسسات، وللاعتداء على تلك الشخصيات...

ومادام الشيء بالشيء يذكر، فإخوان المغرب يرتبطون بصلة وثيقة بإخوان الأردن (وباقي الإخوان طبعا)، من خلال مساهمتهم معا في قيادة التنظيم الإخواني (المنتدى العالمي للوسطية)، الرديف للتنظيم الأول (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، وهم معا وقعوا جميعا على بيان منتداهم الرابع عشر في عمان، ربيع السنة الماضية، الذي دعا إلى "الجهاد"، بعدما قسّم العالم إلى "ديار الإسلام" و"ديار الكفر".

قضية يونس قنديل هي عنوان معركة مجتمعية عامة في مواجهة تغوّلات الإخوان المسلمين، نظروا لخطورتها المهولة، فبينما تتمظهر بالوسطية، خلال استعمالها الدين للاستقطاب والتهييج، فإنها، في العمق، تفتح الباب أمام تنامي التطرف الديني، وتصاعد العنف السياسي والعداء الظلامي للفكر التنويري.