كتاب البراقش..الحلقة 26:أو المناضل المأساوي...

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الثلاثاء 6 نوفمبر 2018, 09:37

ما زلت أشعر بالحسرة إلى اليوم على موتين في الواقع: واحد أسميه الوداع المحزن، ذهب بالصديق، الذي اقتسمت معه شيئا من الذكريات وأوضاعا وحالات ومواقف وارتباطات وعلاقات وخيبات وعواطف... ثم إننا اشتركنا في أعمال كان يبدو القيام بها، في وقت من أوقات تطور هذا المجتمع، أساسية ومستقبلية ومجدية وطبيعية، وَهَبْنا لها الوقت والمال والحيوية... حتى فاجأت الحقيقةُ وهْمَنا في دورة تاريخية اشتدت فيها الانكسارات كانت شديدة الوطأة على النفوس والعقول بما يمكن ولا يمكن تصوره من أشكال الفتك والانتقام.

والموت الأخر، الذي بموت كل واحد منا، ولو كان في وقت غير معلوم، ينقضي بصورة تدريجية مؤلمة جيل من أجيال التغيير في المغرب... الذي لم يسعفه الحظ الثوري كثيرا في إنجاز التغيير المذكور على ضوء المهمات، التي أناط نفوس أفراده بها، فكان لهم القمع والاستبداد بالمرصاد، ثم تفرقت بهم السبل في الدعوة إلى الديمقراطية حتى أدركتهم الشيخوخة.

الموتان متفارقان بينهما برزخ لا يبغيان ولا يأتي ذكرهما إلا في المآتم المثقلة بالحسرة، ولأنهما موتان مترادفان كذلك يأتي الواحد في أعقاب الآخر بدون استئذان... والحقيقة بدون بكاء أيضا. يجوز أن نقول إذن: إذا مات المناضل مات جيله معه كذلك، أي نموت جميعا في سن الحسرة تماما وقد طوحت النوسطالجيا بأيامنا فلا نراها إلا رائحة منقضية، ولكن الاستبداد باق والتغيير الحالم أو حلم التغيير كذلك.

إنَّ بين حياة محمد وموته مسافةَ زمن فقط. بيننا وبين موته موعدٌ فقط، بين موته وحياتنا ذكريات وتاريخ وأيام، بين الوجود والعدم حياة كانت له وكانت لنا ولن تكون لغيرنا بمثل ما كانت له ولنا: لقد مات محمد كما مات الرفاق الذين من قبله وهم جميعا شهود على حسرتنا دون أن يفلح الخلاف ولا الشقاق في القضاء علينا. وأكاد أفهم أن في ذلك (قدرا) له طابع المهمة التاريخية، كما كان قدر الذين سبقونا إلى النضال بنفس المهمة التاريخية مِهَادا لنا.

قد يكون محمد معروف مات من كمد وحسرة أيضا، ولكن المؤكد أنه مات وفي نفسه شيء من الثورة على الأوضاع القائمة. والواقع أنني لا أفهم كيف يناضل الإنسان من أجل الثورة أو الديمقراطية فلا يتحقق له أي شيء منهما قيد حياته، فيكون الموت في هذه الحالة متعادلا مع العبث أو الضياع، وموته هو جارحا من كثرة التحسر الأليم على الأمل أو الحلم. أيها الأصدقاء المخلصون، إننا نموت في الحياة بعد خروجنا من السجن، بصرف النظر عن السنوات والآلام والخلافات والانكسارات، ولكننا نحيا يوميا إلى أن نموت بالآمال، التي انحفرت في وجداننا وهي المعلقة على غد أفضل.

ومن المعلوم أن هواء هذا الوطن الفاسد هو الذي أماتنا ويميتنا ولم يرحم نضالنا ولا أراحنا من رائحته، التي تزكم الروح.

وتعلمون، أو لا تعلمون، أن ابن آدم إذا مات انقطع ذكره من الدنيا إلا من أربع (سجايا):

نضال يساري قام به لوجه وطن جريح لم يهنأ بديمقراطية

سلوك عادل قويم سار عليه في الحياة غير هيّاب

أعمال رشيدة قد تُذكَر في المجالس والمحافل

قيم إنسانية إليها أَوْفَى وبها استرشد وعليها قامت حياته.

إنني أتكلم، في الحقيقة، عن صديقي ورفيقي محمد معروف الذين غادرنا، وهذه بالذات مواصفات وجود إنساني كانت له في الحياة، ولم يكن فيها مطلقا ولا ساذجا ولا كريما ولا شرسا، بل واعيا كما أحبَّ وأحبُّ أنا أن تغلب عليها النسبية دائما لأنها لا يمكن أن تكون مطلقة فينا.

هو المناضل المأساوي، وبذلك كنت أمازحه في شرود لحظات الدفء، وكانت عليه علامات منه لا تخطئها العين، كأنه في الهدوء مِرْجَلا وفي التأمل متحفزا وفي المواجهة صامتا. لمن شاء أن يقول غير ذلك فليقله فورا لأنه لا يعنيني من الخصوم جاء أو من الأعداء. أما قولي أنا بصريح بلاغته فهو نابع من سجني وتجربتي: لم أر محمدا يوما متأسيا رغم أن السجن هو الأسى في رؤيتي، لم أر محمدا منفعلا... إلا إذا رأينا في الانفعال قدرة رهيبة على كتمانه، ولم أر محمدا صارخا إلا إذا اعتبرنا التحية صُراخا. كان شيئا آخر تماما على شبه كبير بلونه الأسمر ونظراته الدافئة من خَلَلِ الزجاج الذاكن... إلى شيء من الوجوم الإنساني، أي السكوت على غيظ، الذي يُشعرك بالوحدة والمعقولية والتأمل... كأن الزمان لم يغيره في أي اتجاه، وكأن وجهه لم يتلطخ بالفرح على أي نحو. لقد مات الصديق قبل موتي، فعلى موته حزني وعلى روحه السلام...