"تفجير بورقيبة".. أسئلة الإخوان والإرهاب

  • الكاتب : جلال مدني
  • الأربعاء 31 أكتوبر 2018, 08:32

هز تفجير انتحاري إرهابي، ظهر أول أمس الاثنين، شارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة، بعدما فجرت امرأة ثلاثينية نفسها بالقرب من دورية أمنية، ما أسفر عن إصابة 15 أمنيا و5 مدنيين، بينهم طفلان.

"تفجير بورقيبة"، ليس العمل الإرهابي الأول خلال السنوات الماضية في تونس، التي تميزت فيها الأوضاع، بعد ثورة البوعزيزي، بمعطيين مترابطين: النهوض القوي لإخوان تونس من خلال حركة النهضة، وتوالي العمليات الإرهابية، التي كانت تونس بمنأى عنها.

ففي 6 فبراير 2013، شهدت تونس حادثا إرهابيا همجيا، هو الأول من نوعه منذ ثورة 14 يناير 2011، من خلال جريمة اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد أمام منزله، بأربع رصاصات...

جريمة اغتيال بلعيد جاءت بعد يوم واحد فقط من مروره في قناة "نسمة"، حيث اتهم حركة النهضة بالتشريع للاغتيال السياسي، بعد ارتفاع اعتداءات "رابطة حماية الثورة"، التي تُتهم أنها الذراع العسكري للنهضة.

بعد ذلك بحوالي سنة أشهر، وتحديدا يوم 26 يوليوز 2013، وقعت جريمة إرهابية ثانية، باغتيال الناصري التونسي، المعارض لحركة النهضة، محمد البراهمي، بالرصاص أمام منزله في تونس العاصمة.

وفي بداية الشهر الجاري، أكدت هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي، في مؤتمر صحفي، أن حركة النهضة لها تنظيم خاص له علاقة بالاغتيالات السياسية.

وفي يوم 18 مارس 2015، هاجم إرهابيان متحف باردو الشهير بالعاصمة تونس، بأسلحة كلاشينكوف وقنابل يدوية، وفتحوا النار على الموجودين فيه، ما أسفر عن سقوط 24 قتيلا، منهم 21 سائحا أجنبيا، وشرطي تونسي، إضافة إلى الإرهابيين.

ويوم 26 يونيو 2015، هاجم إرهابي بكلاشينكوف أحد الفنادق في شواطئ المنتجع السياحي مرسى القنطاوي، ما أسفر عن مقتل 39 وإصابة 39 آخرين، بينهم سياح من جنسيات مختلفة.

وفي 24 نوفمبر 2015، استهدف إرهابي انتحاري حافلة كانت تقل أفرادا من الأمن الرئاسي التونسي في تونس العاصمة في شارع محمد الخامس، أسفر عن مقتل 12 منهم، وإصابة 16 آخرين.

وفي 7 مارس 2016، شهدت مدينة بنقيردان الحدودية مع ليبيا معركة دامية بين الجيش والشرطة التونسيين، وبين جماعة من الإرهابيين حاولوا السيطرة على المدينة، واستمرت الاشتباكات عدة أيام، وراح ضحيتها 66 قتيلا.

هذه مجرد نماذج منتقاة لبشاعة الجرائم الإرهابية المرتبطة بها، فيما هناك أحداث كثيرة من الجرائم الإرهابية، تتراوح بين الاعتداءات المتطرفة على المواطنين، وصولا إلى التفجير وإطلاق الرصاص... ما جعل العديد من السياسيين والحقوقيين التونسيين، فضلا عن مراقبين من تونس ومن خارجها، يربطون بين هذه الأحداث وبين حركة النهضة، التي قالوا إنها توفر البيئة الحاضنة للإرهاب.

واللافت في عملية "تفجير بورقيبة"، أن حركة النهضة سارعت، على الفور، إلى إصدار بيان يندد بهذه "الحادثة الإجرامية"، واستقصدت الإشارة إلى أن هذه العملية "وجهت لشارع الحبيب بورقيبة بما يمثله لدى التونسيين من رمزية، تتجسد خلالها قيم الحرية والديمقراطية، وباعتباره أيضا إطارا للتنزه والترفيه"، في حين أن الخاص والعام في تونس يعرف الحملات التي يشنها خوانجية النهضة ضد المنتزهات وضد الترفيه، باعتباره "رجسا من الشيطان"، و"أعمالا يأتيها الكافرون"...

بل أكثر من ذلك، سخّرت حركة النهضة كتائبها الإلكترونية لشن حملة واسعة، في محاولة لتحريف الأنظار عنها، بتوجيه اتهامات سوريالية تزعم وقوف السعودية والإمارات وراء العملية الانتحارية!

بيد أن الواقع، كما كشفت وتكشف عنه معطيات التحقيق الجاري في "تفجير بورقيبة"، أن منفذة هذه الجريمة الإرهابية غير معروفة لدى الأجهزة الأمنية، ما جعل النشطاء التونسيين يطرحون أسئلة عدة، لعل أقواها يدور حول آليات وأساليب التجنيد الجديدة للإرهابيين الانتحاريين والانتحاريات، وكيف غابت عن أعين الأجهزة الأمنية، وتمكنها من الوصول إلى قلب شارع بورقيبة، ما يدلل على عجز طارئ لمتابعة الجماعات الإرهابية والتصدي لها.

هذا الوضع دفع رئيس المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في تونس، ماجد البرهومي، إلى القول إن "التفجير كان متوقعا، بالنظر إلى ما حدث من إقالات للكفاءات في الأجهزة الأمنية، شملت بداية المدير العام للأمن الوطني، ثم وزير الداخلية، وما يفوق المائة من خيرة قيادات الحرس الوطني". وأوضح أن هذه الإقالات حدثت بضغط من حركة النهضة على رئيس الحكومة يوسف الشاهد، مقابل دعمه في مواصلة مهامه على رأس الحكومة، بعد توجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى تغييره.

لذلك، بات النشطاء يتخوفون على تونس، ويحسون بالغضب، لأن ضرب تونس في شارع الحبيب بورقيبة يعني، بالنسبة إليهم، الكثير: فهو قلب العاصمة النابض بالتجارة والسياحة، والذي يضم دور الثقافة والمسارح وقاعات السينما، كما يضم المقرات الأمنية والسفارات، قبل أن ينتقلوا إلى التساؤل بقوة: كيف يعقل أن تتمكن هذه الإرهابية من ولوج هذا الشارع بحزامها الناسف، دون أن تتفطن إليها الأجهزة الأمنية؟!

ولابد لهذا السؤال من أجوبة شافية، لأن هناك حالة احتقان في الشارع التونسي وعدم استقرار سياسي، ولأن الجماعات الإرهابية تنتعش وتستغل أي أزمة سياسية، وخاصة عندما يكون إخوان تونس طرفا في هذه الأزمة.