كتاب البراقش..الحلقة 21:علي أومليل في الصين

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الأربعاء 10 أكتوبر 2018, 10:48

لم تكن الزيارة الأولى، التي قام بها علي أومليل إلى الصين، في ما يبدو، إذ يقول في (مرايا الذاكرة): "عدنا بعد زمن مديد إلى الصين". فهو إذن يتكلم عن رحلة في الزمن، لعله لم يكن قصيرا، ويريد أن يضبط إيقاع التغير الحاصل بين زمنين أيضا، زمن الذهاب وزمن العودة، لنقل زمن العودة إلى ذلك الذهاب كذلك. وأول ما يلاحظه أن أسراب الدراجات اختفت من الشوارع الصينية، علما بأن الدولة الصينية المركزية في ذلك الإبان الماوي هي التي كانت تملك السيارات، ولم يكن بمقدور الشيوعية البدائية المفترضة أو القائمة أن تتخلى عن الرفاهية الحديثة القادمة من الغرب الرأسمالي، فكانت تداري الزمن الأسيوي القديم وتقويمه المعتمد على دورتي الشمس والقمر لبناء الاختلاف المفروض بقوة التنين. وقد أضاف علي أومليل إلى ملاحظاته أن اللباس الشيوعي الموحد ذا الطبيعة التنميطية، على غرار (جمهورية فرحات) التي وصفها يوسف إدريس في قصة من قصصه، نفسه قد اختفى، لأن الاختلاف وإن كان في دائرة التميز قد أوجب المخالفة وفرض الألوان الزاهية وإن كانت براقة ومثيرة. ثم وجد المسافر أن العمل الأساسي قد توجه لإنتاج الغذاء لملايين البشر الذين في سابق العهد والأوان كانوا يتضورون جوعا قبل أن يحررهم الحزب الشيوعي بقيادة ماو من إملاق.

لم يكن الوصول إلى الصين كمكان إلا لمراقبة التطور الهائل الذي أحدثته الثورة، والرحلة لم تكن سياحية فقط، بل إيديولوجية لمراقبة مداليل التطور المذكور على أرض الواقع، فوجد نفسه، كما يقول، أمام التعبير المجازي ذي البيان الوافي (حيوان أسطوري) الذي يصور القوة والتوسع والانطلاق... وهكذا غدت الصين، وبكين عاصمتها تحديدا، في التعبير المجازي الآخر، مختنقة الشوارع بالسيارات غطت سماءها غيوم دخان المصانع... إلخ، أي مصنعة غزتها المدنية الحديثة وسارت في درب التقدم. من هذه الناحية بالذات، تقفز ذكرى ابن بطوطة التي دوخت العالمين إلى ذهن الزائر، فيرى في رحلته شيئا كثيرا من العبور الذي لم يكن ليلتفت إلى العمق الحضاري الذي كان في أساس النهضة اللاحقة. العبور الذي يلفه (سديم الغيب) لأن العابر ابن بطوطة جاء من ثقافة لا تأبه بالعين ولا بالرؤية إذن، ولا بالتمعن كذلك، لأن (السماع فيها ينوب عن العيان). وفي عمق الذكرى القافزة إلى الذهن ذلك الترحال الذي لا يستقر في مكان. في الرحلة الثانية لابن بطوطة إلى الصين، وكان قد تزوج فيها في الرحلة الأولى وخلف من الزواج ولدا، (قدموا له رجلا قالوا: هذا ابنك. لم يقل كيف كان اللقاء، حمل عصاه واستأنف الترحال).

وها هو علي أومليل أيضا في الرحلة إياها في نفس العبور مع تغير الظروف والأزمان، لأن الإمبراطورية تحولت إلى جمهورية، والكنفوشيوسية تحولت على نحو ما إلى الشيوعية، والأفيون إلى إيديولوجية تنهض بأعباء التحول التاريخي الذي أخرج الصين من ظلمات العصور إلى أنوارها. وما لم يره ابن بطوطة يراه الآن علي أومليل باندهاش الفيلسوف: إمبراطور العصر الشيوعي (مسجى على الظهر... كالإمبراطور القديم ابن السماء). كان ماو تسي تونغ قد ودّع دنيانا تاركا إياها لـ(عصابة الأربعة)، ولم تكن الثورة الثقافية الصينية، التي ألهبت الماي الفرنسي، قد فشلت بعد في تخريج الثوار، أي أن الصين انطلقت محمومة في اتجاه آخر لمعانقة العصر الرأسمالي الحديث من موقف مختلف. وماو هو نفس القائد الثوري الذي رآه من قبل وهو يسبح في نهر اليانع تسي العظيم وقد تجاوز الثمانين، تماما كما يسبح الفالحون في المغرب: التذريعة والرفّاس والرأس تتحرك يمينا وشمالا مرفوعة فوق الماء كسلحفاة الأنهار. وهكذا كانت الرحلة للاكتشاف الذي يفارق المغرب الغارق في تخلفه، وفحص العالم المتحول في قضاياه وانتقالاته. يستفيد الزائر شيئا مهما للغاية: العالمُ في تبدلٍ انطلاقا من المجال الأسيوي أو انتهاء به. نهاية الأوهام القاتلة التي فجرت ثورات وألهمت شعوبا وحطمت أنظمة، بل ولعلها غيرت صورة التاريخ المتداول بوصفه تاريخ الحكام. والأهم من ذلك أن ثوار الإيديولوجيات أنفسهم تفرقوا في الأمصار لأن قضاياهم تقادمت بفعل الزمن والفشلات، فبحثوا عن قضايا جديدة وجدوها، كما يقول أومليل، (في حقوق الإنسان والبيئة والانخراط في المنظمات الإنسانية لإغاثة العالم البئيس).

الصين إذن هي التعبير الشاهد الذي يحمل على الاندهاش من قوة التحول الذي انتهى إليه العالم القديم حين انخرط في التقدم، أما مغرب علي فيصْدُقُ عليه أن نقلب المعادلة دون أن يرتفع التخلف: أي أن العالم القديم ما زال ساري المفعول يعاند التقدم.