من الإنصاف والمصالحة إلى حافة الهاوية

  • الكاتب :
  • الاثنين 8 أكتوبر 2018, 10:04

هناك شيء ما ينقصنا.. هناك أشياء كثيرة تنقصنا في كل مناحي الحياة.. قوانين تُسن وتصدر في الجريدة الرسمية ولا يُعمل بها… قوانين كثيرة موجودة في النصوص ولا أثر لها على أرض الواقع. مخالفات كبيرةترتكب ولا شيء يقع... التدخين في الأماكن العمومية، رمي قارورات وأوساخ في وسط الطريق وعلى قارعتها. في شارع محمد السادس في العاصمة الرباط، المدخل إلى المدينة، مثلا، توجد مؤسسة تعليمية نخبوية، يأتي مسؤولون أو سوّاقهم لحمل أبنائهم وبناتهم، فيسدون منافذ الشارع بسياراتهم، ولا أحد يتكلم معهم، ولا اجتهاد ولا ابتكار لإيجاد حلول متاحة وفعالة تحل المشكلة، فيها تطبيع مع القانون وتعويض لـ"السيبة النخبوية"...

هناك أشياء كثيرة تنقصنا، تجعل العديد من مقتضيات القوانين مغيبة، وكثير من الأمور معلقة، قوانين كثيرة تخرق بالليل والنهار، أمام الملأ، أمام حتى من هم مخول لهم إنفاذ القانون.

هناك أشياء ما تنقصنا، تجعل مختلف برامجنا وخططنا ومخططاتنا الثلاثية والرباعية والخماسية يكون مآلها الفشل والهدر، بعد أن تلتهم الملاييروالملايير بكل لهفة ولهطة ودون تواضع.

يلزمنا شيء ما، تلزمنا أشياء ما، من قبيل تلك التي كان لها ما يشبه مفعول السحر في رواندا، إذ نقلتها، في ظرف قياسي، من بلد مثخن بجراحات مجازر الإبادة الجماعية، إلى بلد تتحقق فيه ظروف التقدم والنهضة المجتمعية العامة بصورة مذهلة.

هذا البلد عاش جحيم إبادة جماعية، خلال الحرب الأهلية في أبريل 1994 بين قبيلتي التوتسيوالهوتو... أرقام قتلى هذه الحرب فظيعة، تتراوح بين 800 ألف إلى مليون شخص. انطلقت المجازر عبر رواندا بأكملها، ليروح ضحيتها خُمس سكان البلاد، كثير منهم قُتلوا بالمناجل والمطارق والسيوف.

لكن رواندا نجحت، في ظرف قياسي، في إحداث نهضة مجتمعية مذهلة على مستوى الدولة والمجتمع، فالعاصمة كيغالي، مثلا، باتت أجمل وأرقى وأنقى مدينة إفريقية، والمسألة لا تعني فقط البنيان والعمران، وإنما مست الشعب، أيضا، ببرامج متقدمة في كل مناحي الحياة، وفي مقدمتها التعليم، والشعب بات يتشرب ويتنفس قيما حقوقية، وإنسانية، ومواطنية. فلا تجد من يتبول في الشوارع أو يرمي النفايات خارج الحاويات، ولا من يتسابق للمرور أولا، فالجميع ملتزم بالدور، لا فرق في المواطنين بين مسؤولين وغير مسؤولين، وهناك ثقافة عامة تتكرس وتنمو وتترسخ، تنبذ الميز والزبونية والمحسوبية والرشوة والريع، فلا تجد مفارقات البؤس المكين لدى رافعي شعارات مناهضة الريع، وهم أصلا في وضع الريع، بكل بساطة، لأن هناك مواطنة في الدولة والمجتمع معا.

السر واضح تماما: نجده، أولا، في منطق وثقافة وصيرورة المصالحة، وثانيا وثالثا وعاشرا في تطبيق القوانين الصارمة الملزمة للمواطنين، ولمؤسسات الدولة.

تأسيس "اللجنة الوطنية للوحدة والمصالحة" شكل مفتاحا لإعادة بناء الوطن والمواطنين في رواندا، وللمّ ولملمة أشلاء مجتمع عانى كثيرا ويلات الإبادة الجماعية، ولتعزيز الهوية الوطنية المشتركة، ولإبداع مبادرات مؤثرة، تستلهم الثقافة الرواندية الأصيلة، وتشكل مدرسة وطنية للعمل الجماعي، وللعلاقات الاجتماعية، وللوقوف جنبا إلى جنب من أجل إيجاد الحلول والبدائل للمشكلات العابرة والمزمنة.

قادت تجربة المصالحة الوطنية إلى نتائج مبهرة، إذ ساهمت في تعزيز المسار الديمقراطي، وتكريس العدالة الاجتماعية، وتعزيز وتجذير سيادة القانون.

وبات احترام المواطنين للقوانين يدعو للدهشة، فلا أحد يفكر في ارتكاب خطأ أو يسير عكس القانون، فهو يعرف أن السجن ينتظره، ولا مجال لإفلات من العقاب.

عندما مُنعت الأكياس البلاستيكية حفاظا على البيئة، مثلا، استُبدلت بالورقية لتعبئة الفاكهة والخضروات وباقي الحاجيات، والجميع انضبط، فلا مصانع سرية، ولا تحايلات ولا مناورات، وكل المحلات التزمت، لأن المواطنين، وهم أول المستهلكين، يلعبون دور المراقبين، ويقفون بالمرصاد للمخالفين.

في بلادنا، أيضا، أُنجزت تجربة كبيرة بل عظيمة، ضمن مسارات العدالة الانتقالية، بتأسيبس هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن اعترتها نواقص كثيرة، إذ كانت بعض أحكامها سياسية وليست قانونية، تمخض عنها تبييض متهمين بالقتل من قبيل الإخواني عبد العلي حامي الدين، الذي تشير له أصابع الاتهام بالضلوع في جريمة اغتيال إرهابي للطالب اليساري بنعيسىأيت الجيد، كما بقيت العديد من توصياتها معلقة لم تُطبق، قبل أن يتولى الإخوان المسلمون الحكومة، فانطلق فصل نكوصي بئيس، يفرغ هيئة الإنصاف والمصالحة من محتواها، وبدأت البلاد تودع شموس آمالها في المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، لفائدة ظلام "التخونيج"، وشرعت كوادر الجماعة في تثبيت ثقافة وقيم بديلة، تنتمي إلى الرجعية والظلامية، المستمدتين من مرجعيات التكفير، من حسن البنا إلى سيد قطب، ومن ابن حنبل إلى ابن تيمية...

إن ما عرفته وتعرفه البلاد من حركات احتجاجية، من الريف إلى جرادة، هي نتيجة طبيعية لهذه السياسات، التي أوصلت مسيرة الإنصاف والمصالحة إلى الانسدادات، فبدأت التراجعات وتفاقمت الفوارق والتفاوتات...

وعندما وُضعت المخططات، الاستعجالية منها والبعيدة المدى، استَهلكتْ وتستهلك الملايير، دون تحقيق النتائج المنشودة، لأن هناك تراثا ضخما من الاستثمار في الجهل والفوات والاستيلاب والاستغلال، جعل أشياء كثيرة تنقصنا، جعلنا في وضع خصاص مهول، جعلنا نبتعد عن الإنصاف والمصالحة، ونقترب من الهاوية...

شيء ما ينقصنا، شبيه بـ"جميعْ النوضة": "اللي فرط يكرط، الجميع سواسية أمام القانون، الجميع يشارك، الجميع يبني أسسَ إقلاعِ وتقدمِ مغربٍ يسعُ الجميع"...