أوقفوا الاستثمار في الجهل.. وأنقذوا الوطن

  • الكاتب : خالد اشيبان
  • الثلاثاء 25 سبتمبر 2018, 12:07

الجهل هو السرطان، الذي يقتل خلايا جسد الوطن شيئا فشيئا، وبهدوء تام. وكل ما نعيشه من فساد وسوء تدبير وعبث، ما هي إلا أعراض وتمظهرات هذا المرض. والسرطان، حين يضرب الجسد، لا تنفع معه مضادات الألم، بل يلزم استئصال الورم في حينه، وإعطاء الكيماوي لكامل الجسد بعد ذلك ليتعافى تدريجيا. وهذه عملية استشفائية قد تضر أو تتلف بعض الأعضاء في الجسد، لكنها تمنعه من الموت، ثم يسترجع بعدها عافيته تدريجيا، لكن الأهم في كل هذا المسلسل الطويل والمنهك، هو اكتشاف المرض مبكرا.

سرطان الجهل عبث في جسد بلدنا بخلايا المدرسة والإعلام والدين، وأنتج ورما ضخما ما زال يكبر شيئا فشيئا، فأفلست المدرسة، وانحرف الإعلام، وتطرف الدين. واستئصال هذا الورم يجب أن يتم في المدارس على المديين المتوسط والطويل، وفي الإعلام والمساجد على المستوى القريب، ثم نعطي بعد ذلك العلاج الكيماوي، المتمثل في الوعي والتنوير، لكل أعضاء الجسد، ليتعافى وينهض من جديد.

فعندما يتنور الناس ويرتفع منسوب وعيهم، سيحدث التغيير وحده وبشكل تلقائي.

وعندما يتنور الناس ويرتفع منسوب وعيهم، يهابهم المسؤولون ويقيمون لأصواتهم ألف حساب.

وعندما يتنور الناس ويرتفع منسوب وعيهم، لن يتجرأ أحد على العبث بأموال ضرائبهم.

وعندما يتنور الناس ويرتفع منسوب وعيهم، لن يأكل عقولهم تاجر دين.

وعندما يتنور الناس ويرتفع منسوب وعيهم، لن يبيعوا ذممهم في الانتخابات...

ومادام سرطان الجهل ينهش جسد الوطن طولا وعرضا، سينتج لنا خلايا سرطانية في كل المؤسسات. والجهل، إذا أضيف إليه الفقر، ينتج قنابل قابلة للانفجار، والجهل إذا أضيفت إليه السلطة، ينتج الاستبداد، والجهل إذا أضيف إليه المال، ينتج الفساد. وأوجه الاستثمار في الجهل في بلدنا عديدة ومتعددة، بدءا بالمقررات الدراسية، مرورا بمنابر المساجد، ووصولا إلى الإعلام.

الوضع عامَّةً في البلد اليوم ليس على ما يرام، وهذا يستدعي أن نتحدث بصراحة أكبر، لأننا جميعا نوجد على المركب نفسه، فمِن بين المسؤولين المستفيدين من جميع الامتيازات، والذين يُنتظر منهم إيجاد الحلول لمشاكل الناس، مَن هم مستمتعون بما يحدث ويتمنون حدوث ما هو أكثر خطورة، ومنهم من يستغل ما يحدث لتصفية حساباته وإزاحة البعض من طريقه، ومنهم من يريد أن يزيد الاحتقان وأن تنفجر الأوضاع، لأنه هو الذي سيستفيد بعد ذلك مما سيحدث. ومنهم من لا يهمه في شيء ما يحدث في البلد، ومنهم من يسعى لمراكمة أكبر عدد ممكن من الثروة قبل الانفجار الذي يراه قادما.

والحلول لن يجدها أمثال هؤلاء، ببساطة، لأن الحلول لا تخدم مصالحهم، ولابد من إيصال عقول جديدة وأياد نظيفة إلى مراكز القرار. وإذا كان الدستور والنظام الانتخابي الحاليان لا يسمحان بوصول "الأصلح" إلى مراكز القرار، فلنُعِد النظر فيهما بسرعة، لأنهما ليسا قرآنا منَزَّلاً. فالناس يريدون أن يلمسوا التغيير في حياتهم، في جيوبهم، وفي محيطهم... وهذا لن يتحقق إلا بوصول من يحملون هموم الناس إلى مراكز القرار.

على الدولة أن تبادر قبل أن يفوت الأوان، لأن الناس فقدوا الأمل في المؤسسات، وكفروا بالانتخابات وبالخطابات وبالأحزاب وبالإدارات، وجدار الصمت بدأ يسقط شيئا فشيئا. والناس في حاجة لبصيص من الأمل، يعيد شيئا من الثقة للنفوس، وهذا لن يحدث إلا بالعلاج بالصدمة.

المغاربة يستحقون حكومة في المستوى، ومنتخبين في المستوى، وأحزابا في المستوى (ولا نستثني أي حزب)، ومدرسة في المستوى، ومستشفى في المستوى، وإدارة في المستوى، ونقلا عموميا في المستوى، وغيرها من الخدمات. ومن أوصلوا كل هذه المؤسسات والخدمات إلى الحالة التي هي عليها اليوم، لا يمكن أن ننتظر منهم أن يجعلوها بعد ذلك مؤسسات وخدمات في المستوى!