حكومة الطبيب.. اللسان الطويل واليد القصيرة

  • الكاتب : عزيز مهاجر الفيلالي
  • الأربعاء 19 سبتمبر 2018, 11:33

الآن، بعدما مرت سنتان، لا يختلف اثنان حول غياب الانسجام في الأغلبية الحكومية، وهو أمر تبيّن منذ تنصيب رئيسها الطبيب بعد فشل شيخ البيجيدي في تشكيل الحكومة، بعدما حصل حزب العدالة والتنمية على الرتبة الاولى، بفارق 23 مقعدا عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حل في الرتبة الثانية، واختار المعارضة بعد استحقاق 7 أكتوبر 2016، وما عرفته حكومتا بنكيران والعثماني من تحالفات بين أحزاب تختلف حد التناقض في مرجعياتها وبرامجها.

الكثيرون كانوا حاسمين في عدم انتظار أي نجاح للحكومة الحالية في خلق التوازن السياسي والتنمية والتقليل من نسب الفقر والعطالة وإحداث التغير، لأنها لم تقدم اَي برنامج مجتمعي واضح، بل فقط تصريحا حكوميا باهتا، شكل بداية باهتة، وجعلها تعيش تيها بين الفعالية والانسجام، إزاء برنامج مثيل لدزمة مطالب مجنّعة...

بعد مرور سنتين، مازالت حكومة العثماني تتخبط في مشكل الفعالية، وهنا يطرح سؤال الحصيلة الأولية لحكومة غير منسجمة، ما عرضها وسيعرضها لتقلبات وإعفاءات لوزرائها، آخرهم وزير المالية، وحذف كتابة الدولة في الماء، التي كانت صاحبتها "كتقاضى جوج فرنك" على حد قولها، في انتظار ما يحمله المستقبل من مفاجآت، ربما تعصف بآخرين يتحسسون الآن مناصبهم.

إن السياسات العمومية المقترحة من طرف حكومة غير منسجمة في ممارساتها اليومية، الإدارية والسياسية، وتصريحات وزرائها، تنم عن فقدان البوصلة في التسيير والتدبير الرزين والحكيم لشؤون المواطنين، الذين أضحوا يتساءلون: إلى أين تتجه البلاد؟

لقد عرفت الحكومة إعفاءات وتعديلات خلال سنتين ونصف، مع هدر للزمن السياسي، ما أثر بشكل واضح على الأداء الحكومي، ليتبين في الأخير أنها ما هي إلا حكومة لتصريف الأعمال، وامتداد لحكومة الشيخ بنكيران، بحيث لم تضف أي شيء إيجابي للمواطن ولا في الحوار الاجتماعي، وليست لها أي قيمة مضافة في السلطة التنفيذية.

وإذا أثرنا سؤال الحصيلة المرتبط بالتشريع، الذي تتباهى به الحكومة، سنجد أن إنتاج السلطتين التنفيذية والتشريعية معا لم يتعد 70 مشروع قانون منذ التنصيب إلى الآن، وذلك راجع لعدة عوامل، أولها تقاعس مبادرات الوزراء، ثم بعده غياب البرلمانيين، وانعدام الكفاءة، بما يحول بينهم وبين اقتراح وإنتاج مقترحات قوانين ذات جدوى وجدارة ومصداقية، ما يؤثر على المردودية، وعلى المواطن الذي تتفاقم عدم ثقته في الأحزاب، ويغيب عن المشاركة في الانتخابات، بحيث تفيد بعض معطيات استطلاعات الرأي متعلقة بالاستحقاقات الجماعية 2015 والتشريعية 2016، أن نسبة 8 في المائة من المغاربة فقط هي التي تثق في الأحزاب، و18 في المائة قد تقدر على التّفكير في المشاركة في الانتخابات، و60 في المائة من المغاربة لا يثقون أبدا في الأحزاب ولا يشاركون في الانتخابات...

إن المواطنين يحسون بالركود والجمود في الفعل الحكومي، لعدم وضوح معالمه ومخرجاته.. كما أن ارتفاع منسوب الوعي الاجتماعي بنجاعة وفعالية السياسات العمومية لدى المواطن، يجعلنا نعي جيدا أننا أمام مواطن واع بوقع تلك السياسات على المعاش اليومي لديه ولدى أسرته، ليصبح دافعا للتعبئة والتأثير على ماهية وجوده وعيشه، وأصبح المجال الأبرز لديه للمطالبة بالتغيير هو الشارع عِوَض إطارات مؤسساتية كانت بالأمس هي الموجه والمؤطر والمُستقبل للحاجيات، وبغيابها يكون السبيل الوحيد هو الشارع للاحتجاج كلما اختنق اجتماعيا واقتصاديا.

وما حراك جرادة وزاكورة وطاطا والحسيمة إلا عبرة لمن يعتبر، خصوصا أن تلك الحٍراكات أظهرت، في البداية، نفورا من مؤسسات الوساطة، وجعلت الشباب، يخرجون في مسيرات ووقفات ومعتصمات للمطالبة بمستشفى ومدرسة وفرص عمل، ويطمحون لمغرب آخر ممكن، فيه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية واحترام دستور البلاد.

إن وجود المؤسّسات في دولة المؤسسات يستوجب تقوية الأحزاب السياسيّة والنقابات والمجتمع المدني، وهو مطلب أساسي، من أجل التأطير والوساطة بين المواطن والدولة، والرقي بالمجتمع والمواطن. وكما قال كارل ماركس "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، لكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"، وللحكومة والأحزاب السياسية دور مهم في هذا الوجود الاجتماعي، لأن المشكل، كما يعلمه الجميع، ليس في المؤسسات، بل في سلوك المشرفين والفاعليين داخل تلك المؤسسات، وقد أصبح مشكلا في الانسجام والفعالية، مع حكومة طويلة اللسان وقصيرة اليد، أتت وستمضي دون أي تأثير ولا تحقيق أدنى تقدم على هذا المستوى، الذي يؤمّن المشاركة السياسية لأوسع الفئات الشبابية والشعبية...