دخول مدرسي جديد.. بمنظومة قديمة جدا

  • الكاتب : كشك
  • الأربعاء 5 سبتمبر 2018, 10:48

سيعود اليوم أطفال المغاربة ومراهقوهم إلى مدارس وإعداديات وثانويات تحولت إلى مجرد مظلات إسمنتية تحميهم من أشعة الشمس وقطرات المطر، فقط لا غير. فمن منحه القدر منهم فرصة العيش وسط أسرة متوسطة أو غنية، سيحظى بفرصة للتعلم داخل إحدى مؤسسات التعليم الخصوصي، التي ستستنزف جيوب أبويه. ومن وضعه القدر وسط أسرة فقيرة، سيقضي أيام السنة تائها بين جدران إحدى مؤسسات التعليم العمومي، يحاول محو أميته في الكتابة والقراءة، فقط لا غير.

ورغم أن ملك البلاد أعلن بنفسه، مرارا وتكرارا، إفلاس المنظومتين التعليمية والجامعية في خطب رسمية، يبدو أن رئيس الحكومة ووزيري التعليم والتعليم العالي راضون عن المنظومة وما تعيشه من مأساة، وغير مهتمين بإعادة النظر في أسباب الإفلاس، الذي وصلنا إليه اليوم، ولا يحركون ساكنا، إلا إذا كانوا يعتبرون ما يقومون به من "بريكولاج"، عند اقتراب كل دخول مدرسي، إصلاحا.

وهنا يجب أن نكون واضحين كل الوضوح، لأن الأمر يتعلق بمستقبل أبنائنا وبلدنا بعيداً عن كل المزايدات السياسية. ليس هناك اقتصاد دون إنتاج، وليس هناك إنتاج دون سواعد وعقول تتقن الإنتاج. والسواعد والعقول تتقن الإنتاج عندما تكتسب المهارة اللازمة، والمهارة اللازمة تكتسب في المدارس والجامعات والمعاهد. ومدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا بعيدة اليوم كل البعد عن إعطاء أبنائنا المهارة اللازمة للإنتاج، وغير قادرة على مواكبة تطورات العصر.

ولا يمكن أن تضع الحكومات مخططات تنمية ناجحة إلا إذا فكرت في توفير الوسائل اللازمة لإنجاح هذه المخططات، وبما أننا نعيش في بلد لا يتوفر على بترول أو غاز، فلا يتبقى أمامنا سوى ثروتنا البشرية لنستعملها ونستثمر فيها.. ولنتمكن من استعمالها كما يجب لتحقيق الأهداف، يجب أن نؤهلها ونجعلها تكتسب المهارة اللازمة للاشتغال. وكل هذا لن يتحقق إلا بإصلاح المنظومة التعليمية والجامعية في هذا البلد، وجعلها أولوية الأولويات بعيدا عن سياسة الروتوشات.

ولعل أبرز مثال يمكن إتباعه، في هذا الإطار، هو مثال كوريا الجنوبية، التي لا تمتلك أي ثروات طبيعية، ولكنها استطاعت أن تجد لها مكاناً بين أكبر القوى الاقتصادية العالمية اليوم بفضل منظومتيها التعليمية والجامعية واستثمار الدولة في بناء الإنسان. كوريا الجنوبية اكتسحت أسواق العالم في التكنولوجيات الحديثة وصناعة السيارات والبناء وغيرها من المجالات الحيوية، بفضل عقولها، وتتوفر اليوم بفضل صادراتها على مخزون عملة صعبة يكفي لسد حاجياتها لعقود طويلة.

يجب أن نكون منطقيين ولو للحظة ونبسّط الأمور: من يريد الإنتاج يجب أن يفكر في وسائل الإنتاج، ووسائل الإنتاج المتاحة هي البشر والتكنولوجيا والطاقة، ولا يمكن استعمال التكنولوجيا إلا إذا كوَنا البشر، الذي سيستعملها للإنتاج. واستعمال التكنولوجيا وحده لا يكفي، بل يجب مواكبة تطور التكنولوجيا. وهذا لن يتم إلا بتطوير البحث العلمي داخل جامعاتنا ومعاهدنا، ولغات البحث العلمي اليوم هي الانجليزية وبعدها الإسبانية، وهذا ما يجعل تدريس اللغات اليوم في مدارسنا أمراً ضرورياً.

فهل ما نتوفر عليه اليوم من موارد بشرية في قطاعي التعليم والتعليم العالي قادرة ومؤهلة لتعليم أبنائنا اللغات وكيفية التعامل مع تكنولوجيا الإنتاج وتطويرها وإنتاجها مستقبلا بشكل ننافس به دول العالم؟

يمكن أن أجزم بأن المسؤولين في هذا البلد لم يطرحوا يوما هذا التساؤل، لأنهم منشغلون بصراعات تملأ الجيوب بالتعويضات. وحتى من طرح التساؤل منهم لم يكلف نفسه الإجابة عليه، لأن واقع الحال صادم ومخيف. فواقع الحال يقول إننا مازلنا نتعثّر في تدريس أبنائنا في المدارس الحروف والأرقام، في الوقت الذي يتعلم تلاميذ كوريا والصين واليابان وسنغافورة وغيرها من دول العالم لغة البرمجة المعلوماتية ومهارات تمكنهم من إنتاج المعرفة مستقبلا ويتكلمون ثلاث وأربع لغات في السنوات الست الأولى من التمدرس. وواقع الحال يقول إن معظم طلابنا في الجامعات لا يجيدون لغتهم الأم، ولا يتقنون اللغة الفرنسية التي يتلقون بها دروسهم، في الوقت الذي يطور طلاب الدول المتقدمة كل شيء داخل الجامعات وينتجون المعرفة التي تمكّن دولهم من غزو العالم.

وخير مثال يمكن استحضاره هو ما استطاع تحقيقه، خلال السنوات الأولى من الدراسة الجامعية، مؤسسو شركات "مايكروسوفت" و"فايسبوك" و"آبل" وغيرها من الشركات العالمية. فأين تقع جامعاتنا من الجامعات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية والآسيوية؟

التعليم هو الحل، وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن يتحقق إلا بإصلاح المنظومة التعليمية والجامعية. وأحسن مخرج من الفقر والهشاشة هو العلم، وأبناء المغاربة يجب أن يكونوا سواء في التعليم. فشتان بين من فتح عينيه في هذا البلد ووجد الحد الأدنى للعيش متوفرا، وشتان بين من فتح عينيه في هذا البلد ليكتشف بأنه سيقضي حياته كلها محاولا توفير الحد الأدنى للعيش.

وإن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.