سمير أمين.. رحيل الماركسي الشيوعي الأممي الرافض للإسلام السياسي

  • الكاتب : أحمد نشاطي
  • الاثنين 13 أغسطس 2018, 23:01

ولد مريضا عليلا، عجز والداه الطبيبان عن مداواته، حتى قيل لهما لو يتركاه لقدره يحتضر، لكنه عاش بواسطة علاج شعبي من امرأة فلاحة فقيرة، اشترطت عليهما، لاستكمال العلاج، عدم تناول الحلوى والشوكولاتة والقشدة إلى حين سن البلوغ...

وكذلك كان، حتى أدهش العائلة بإرادته القوية، وهم يلاحظون رفضه البات تناول أي قطعة حلوى عندما يكون برفقة أطفال آخرين... وفي سن السادسة، رأى في بورسعيد طفلاً صغيراً يبحث عن الطعام في قمامة، سأل والدته عن السبب، فأجابته "لأنّ المجتمع سيّء يفرض ذلك على الفقراء"، وبحماسة طفل أجابها: "سأغيّر هذا المجتمع"، فضحكت الأم وقتها.

لذلك، عندما سأل أحد أصدقاء سمير أمين والدته: متى صار سمير شيوعيا؟ أجابت على الفور: منذ سن السادسة. وكذلك بقي إلى أن وافته المنية مساء أول أمس الأحد، عن سن 87 عاما...

كان من الطبيعي إذن أن يصير أمين شيوعيا، وفي الآن نفسه متمردا على القوالب الجاهزة، كان يكره الجمود، فكان الماركسيون الأرثذوكسيون يناهضونه، لأنه لم يقبل تلك الأطروحات السائدة آنذاك، التي كانت منتسبة للماركسية اللينينية، من منظار الستالينية، والتي لعبت أدوارا حيوية في التعريف بالماركسية اللينينية وإشاعة مبادئها، وتسييد نموذجها، الذي كان يلبي احتياجات الأحزاب الشيوعية آنذاك، المطوقة بكل أشكال الحصار والتضييق، فتحصنت بـ"المركزية الديمقراطية"، التي بلورها ستالين، ومكنت العديد من التنظيمات الشيوعية في العالم من الصمود والحياة والاستمرار، إلى درجة أن مختلف أحزاب اليسار كانت تمضي على هذا النهج، بما في ذلك المغرب، الذي لم تتخلص عدد من أحزابه من ثقل المركزية الديمقراطية إلى الآن.

لم يكن سمير أمين يبالي بالمناهضين، وكأنه كان يقول لهم "سلاما وليشربوا البحار"، وكان يردد بكثير من الاطمئنان وببعض خيلاء: "أنا ماركسي شيوعي أممي"، وعندما يكثر الضجيج حوله، كان يقول: "الماركسية تنطلق من ماركس، لكنّها لا تقف عنده".

كان يعلن اختلافه، بالقدر نفسه الذي يعلن التزامه وتمسكه بماركسيته وشيوعيته وأمميته، وحتى أرقام الاقتصاد لم تُبعده عن النظر وتطوير النظر إلى العالم، والكون، والعلاقات، وحركة الجماهير، والإيمان بحركيتها خارج الثورة الكلاسيكية، من خلال التغيرات، التي تطرأ على تحركاتها، المتفاعلة مع التطورات المجتمعية، ما جعله سباقا إلى الانخراط في المنتديات العالمية الاجتماعية، ومواكبة الحركات الاجتماعية المناهضة للعولمة...

لذلك، عندما تفاعل مع الثورة المصرية، كان يعتبر أن ثورة 25 يناير 2011 موجة أولى، فيما الموجة الثورية الثانية، كانت في ثورة 30 يونيو 2013، وقامت على رفض الإسلام السياسي، الذي فاقم ترديات أوضاع البلاد، التي بقيت على حالها دون أي تغيير، إذ إن كل ما قام به حزب الحرية والعدالة هو إحلال الكوادر الإخوانية مكان نظرائها من الحزب الوطني، معتبرا أن الإسلام السياسي ليس سوى جزء من بنية النظام السابق لا معارضا له، وأحرى ثائرا عليه.

يعتبر سمير أمين أن "العام، الذي حكمت فيه جماعة الإخوان المسلمين، لم يغير نهج رأسمالية المحاسيب"، أو ما نسميه في المغرب "اقتصاد الريع"، لذلك "بقيت الدولة في ظلّ حكم الإخوان على حالها"، مبرزا أن الوعي الشعبي كان مدركا لتلك الوضعية، وهو ما يعلله الكاتب محمد شعير بالشعارات المكتوبة على جدران القاهرة، التي يقول أصحابها إنّ "الثورة لم تغير النظام لكنها غيرت الشعب".

وهذا ما يفسّر، حسب سمير أمين، رفض الجماهير الثائرة بوعيها التاريخي للنّخب الحاكمة المعبرة عن مصالح متشابكة لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، منبّها إلى أن "ثورة الجماهير لن تهدأ إلا بحلول من يمثلها في الحكم، ويطرح مشروعها هي في الحرية والعدالة الاجتماعية"، وهو، بالضرورة، حسب أمين، مشروع وطني ديمقراطي وشعبي.

ويخلص إلى أنه "لا ينبغي فقط اعتبار الإخوان المسلمين مجرد حزب إسلامي، لكن، قبل كل شيء، هو حزب رجعي جدا، ثم إسلامي ثانيا، جماعة رجعية، ليس فقط بخصوص ما نسميه بالأسئلة المجتمعية (الحجاب، الشريعة، التمييز...)، لكن أيضا ما يتعلق بالميادين الجوهرية للحياة الاقتصادية والاجتماعية: يرفضون الإضرابات، والاستحقاقات المرتبطة بالعمل، والنقابات المستقلة عن السلطة، وكذا حركة النضال ضد مصادرة الأراضي من الفلاحين...".

دروس سمير أمين كثيرة جدا في واقعنا العربي والإسلامي، وضمنه المغربي، خصوصا لتيارات معينة من اليسار، التي يحلو لبعض مناضليها أن يرددوا عبارته الأثيرة "أنا ماركسي شيوعي أممي"، وأن يتعظوا، أيضا، بخلاصة دراساته العميقة للثورات العربية، التي يشدد فيها على أن "أحزاب الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة لا تختلف من حيث جوهر الهدف الذي تسعى إلى إنجازه، بل فقط في وسائل تحقيقه، وبالتالي، فإن الطرفين يتكاملان أكثر من كونهما يتناقضان".