في الحاجة المُلحَّة إلى تعاقد اجتماعي جديد

  • الكاتب : أحمد نشاطي
  • الثلاثاء 31 يوليو 2018, 09:54

في خطاب الذكرى 19 لعيد العرش، تناول الملك محمد السادس عدة قضايا محورية، دعا فيها الحكومة ومختلف الفاعلين المعنيين، السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين، إلى القيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، من خلال اقتراح الانكباب على مجموعة من الأوراش الرامية إلى تحسين الوضعية الاجتماعية بالبلاد.

في المحصلة، يكون الملك، عمليا، يدعو إلى تعاقد اجتماعي جديد، مبني على تشخيص لوضعية العجز الاجتماعي المهول، الذي يهدد حاضر ومستقبل البلاد، الأمر الذي يفرض فتح أوراش مجتمعية شتى، بدءا من الأحزاب السياسية، في علاقتها التنظيمية الداخلية وفي دورها الدستوري تجاه المواطنين في الوساطة والتأطير، إلى مقاربة جديدة للفاعلين العموميين والاقتصاديين، مبنية على اللاتمركز الإداري، والجهوية المتقدمة، وتسريع إصلاح إطار الاستثمار، ومواكبة المقاولات من أجل خلق فرص الشغل، ودعم التمدرس، وإطلاق الشطر الثالث للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتصحيح اختلالات برنامج التغطية الصحية (راميد)، ومراجعة المنظومة الصحية، بل وإعادة الهيكلة الشاملة لنظام الدعم والحماية الاجتماعية برمتها...

نتوقف عند هذا المحور الاجتماعي باعتبار موقعه الجوهري في خطاب العرش، بل وتأكيد رئيس الدولة أنه شأن يحظى لديه باهتمام وانشغال بالغين كـ"ملك وكإنسان"، لذلك حرص على دعوة مختلف الفرقاء الاجتماعيين إلى "استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام"...

الحديث عن "عقد اجتماعي" ليس مسألة عرضية، خصوصا في الوضعية الدقيقة، التي تعرفها البلاد، في ظل تنامي العجز الاجتماعي، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، في غياب دراماتيكي للفاعلين العموميين، وضمنهم الفاعلون الحزبيون، وبشكل خاص الفاعلون الاجتماعيون.

"العقد الاجتماعي" هو كتاب معروف لجان جاك روسو، حاول من خلال نظريته تلك بحث أفضل السبل لبناء مجتمع سياسي مستقر، في مواجهة المعضلات الاجتماعية، لترشيد أساس الحكم، في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

هذه العلاقة أصيبت بكسور خطيرة في المغرب، وصلت درجة من الحدة منتصف تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت ضمن ترتيبات الملك الراحل الحسن الثاني لتأطير أرضية المرحلة المقبلة، فكان أن توصل مختلف الفرقاء إلى التوافق على أول تعاقد اجتماعي، بتوقيع الحكومة والنقابات والباطرونا اتفاق فاتح غشت 1995، الذي مهّد للموافقة على دستور 1996، الذي سيمهد الطريق بدوره لما سمي بـ"حكومة التوافق"، وهو توافق تضعضع بذهاب عبد الرحمن اليوسفي، وإزاحة الاتحاد الاشتراكي عن قيادة الحكومة، التي سيقودها التكنوقراطي إدريس جطو، وسيسهر على استعادة التعاقد الاجتماعي، فكان اتفاق 30 أبريل 2003، قبل أن يدخل في نفق تفاقم وبات يهدد الوضع الاجتماعي بالانفجار.

وزاد التوتر أكثر مع انطلاق مظاهرات 20 فبراير 2011، ما دعا إلى توفير شروط تعاقد آخر، أشرف عليه عباس الفاسي، فكان توقيع اتفاق 26 أبريل 2011، الذي لم يلبث أن شرعت حكومة بنكيران في العصف بأهم مقتضياته، والتراجع على العديد من اتفاقاته، بل وإدخال البلاد في نفق آخر، مطبوع بتفاقم العجز الاجتماعي، وتفاقم المديونية، وتفاقم الغلاء، وتصاعد الاحتجاجات...

في ظل هذا الوضع، سيدق الملك أجراس المسؤولية، وسيتوجه مباشرة إلى الحكومة، ليقول لها إن "الحوار الاجتماعي واجب ولابد منه، وينبغي اعتماده بشكل غير منقطع"، وعلى الحكومة أن "تجتمع بالنقابات، وتتواصل معها بانتظام"...

واللافت أنه منذ مجيء حكومة البيجيدي، التي هرولت للكراسي بسرقة (الحزب الحاكم) لنضالات شباب حركة 20 فبراير، وعرض نفسه كـ"منقذ" وحارس للاستقرار، والشعب يتلظى بالضربات في قوته اليومي، مع تهميش مدبر للنقابات، وتسخير كتائب الإخوان للنيل منها وتشويه صورتها وتمييع نضالها، وصولا إلى إضعافها للتحكم فيها، أو أقله تركها "منزوعة الأنياب والأظافر"، لا حول لها ولا قوة، دون التفكير في مخاطر هذه السياسة العدائية، التي أفرغت الساحة من النقابات، وتركت المجتمع لقدره يواجه بمفرده أوضاعه الاجتماعية المنهارة، بكل ما يحمل ذلك من مخاطر الأبواب المجهولة.

وقبل 1995، كان الاحتقان سيد الموقف في الساحة الاجتماعية، وكانت مظاهر التوتر والصدام تطبع علاقات أطراف الإنتاج، التي لم تكن متوازنة، إذ كانت الحكومات تنحاز، باستمرار، إلى الباطرونا، فتمارس الحوار بالهراوات والاعتقالات والمحاكمات والزج بالمناضلين في السجون...

بعد 1996، أصبحت البلاد أمام دينامية مغايرة تطبع الحركات الاجتماعية للشغيلة المغربية، تعبيرا عن المناخ الجديد الذي بات المغرب يتنسم رياحه التي هبت على مختلف مناحي الحياة العامة، حتى أضحت الاحتجاجات، حسب تعبير الوزير الأول، آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي، بمثابة "ماي المغربي"، كناية عن "الربيع الغربي" سنة 1968، الذي انطلق من فرنسا وعمّ عددا من البلدان الأوروبية.

بيد أن هذا المنحى توقف، وتعرقل، وتضعضع، إذ بدأ يترنح تحت ضربات حكومة البيجيدي، سواء مع بنكيران أو العثماني، وهو الوضع، الذي خلق هذا الجو المحجوز، وبات يفرض، اليوم، وبشكل استعجالي وملح، عملا مشتركا لبناء تعاقد اجتماعي جديد، بأن يتوافق الفاعلون الحكوميون، بمختلف تلاوينهم، على أن ترسيخ المسيرة الديمقراطية وصيانة المكتسبات الاجتماعية وتأهيل النسيج الاقتصادي والاجتماعي يتطلب بذل التضحيات.

بيد أن المطروح، بحدة، وبجدارة، هو أن هذه التضحيات يفترض أن تكون مشتركة بين الجميع، من الشعب، وشغيلته، إلى الباطرونا والحكومة نفسها، وتجاوز أعطاب سياسة بنكيران، الذي كلما واجه أزمة مستعصية تعمد حلّها على حساب الشعب، فالتضحيات، والعطاء ونكران الذات، مطلوبة من الجميع، لرفع الرهانات وربح التحديات، في مغرب مازال يعاني هشاشة وضعه الاقتصادي ونسيجه الاجتماعي، وتتنامى حاجته إلى أصابع اليدين العشرة، جميعها، لخوض معركته المفتوحة ضد البؤس والفاقة والفقر والبطالة، والإحباط والمرض والجهل...