كتاب البراقش...الحلقة 7: (التعريف) لغير ابن خلدون

  • الكاتب :
  • السبت 16 يونيو 2018, 10:50

تأطير ثابت

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

 

(التعريف) لغير ابن خلدون

 

المصائب الآتية من جميع التعريفات اللغوية والبيوغرافية والذهنية والعاطفية والسياسية والإيديولوجية... وإلى ما لا نهاية مما يمكن الوقوف عليه من التعريفات الممكنة... هي كثيرة وأجدها متنوعة، ومنها، كما يجب أن نعلم، ما تسبب في حروب دينية وقبلية وإيديولوجية وسياسية وغيرها... حتى وجدتني أعترف، تلقائيا وبدون شعور، بأن التعريف يمكن أن يكون أصل الشرور الكونية.

أعرف (بدون تعريف) أن في هذا مبالغة لطيفة، ولكنها، في الواقع، ممكنة، وقد تكون مفاجئة للكثيرين لأنهم لم يفطنوا أبدا إلى أن التعريف قد يكون سببا في وجودهم أو موتهم وهم عنه لاهون، أو مصدر قلقهم أو سكينتهم وهم عن آثارهما عليهم غافلون... إلخ. ولهذا الأمر قيل في التعريف إنه رمز يُستعمل للدلالة على علاقة معينة، وهو أيضا ذكر شيء تستلزم معرفته معرفة شيء آخر. ولهذا فهو يتطلب، دائما، ولنقل إنه يشترط، أن يكون مبنيا على اختيار كلمات واضحة ومفهومة... علما بأن للكلمات عدة تعاريف، بل وللتعريف نفسه عدة تعاريف تبعا لمكان استخدامه. ووجدت في ما له علاقة بهذا في اللغات الأخرى: أنه عَرْضٌ دقيق وواضح أيضا لمعنى عبارة أو مفهوم، وقد يكون تفسيرا لشيء غامض، وهو أيضا عملية ونتيجة لتحديد قضية، وتفسير للتعبير عن خصائص موضوع معين. والمألوف في تفسيره هو القول: إنه القدرة على تشخيص التمثّلات بواسطة اللغة أو الرمز، إلى ما فيه من توضيح المسائل لرفع الشكوك وإجلاء المعاني.. حتى قيل، في حديث رواه، في ما وجدت، ابن مسعود أنه قيل لقوم: هل تَعْرِفون ربَّكم؟ فقالوا: إذا اعْترَف لنا عرَفناه، أَي إذا وصَف نفسه بصفة نُحَقِّقُه بها.

أضف إلى هذا أن التعريف ينصرف إلى حقول أخرى، فيزداد الحاصل منه إرباكا لكل محاول يتوخى الإعلام بالشيء. ولك أن تدرك تحديدا أن التعريف هو الإعلام نفسه، وفي انصرافه المذكور إلى حقول أخرى هو إنشاد الضالة. وقد يعني التطبيب كما في القرآن، وهو بإحدى التداعيات الدينية الوقوف بعرفات. ومنه العريف أي سيد القوم، أو النقيب دون الرئيس... وإلى اليوم في ريف مصر يذكر العريف بهذه الصفة.

ولست أعرف إن كان عبد الرحمن بن خلدون قد فكر في هذه المعاني المتراكبة التي للتعريف حين ألف كتابه المشهور اختصارا بـ(التعريف). ويمكن الجزم بأن الشريف علي الجرجاني حين ألف (التعريفات) فكر في ذلك قصدا ومنهجا، لأن معجمه يتضمن تحديد معاني المصطلحات المستخدمة في الفنون والعلوم حتى عصره مرتبة ترتيبا أبجديا... وأذكر أن الفيلسوف محمد عزيز الحبابي ألقى محاضرة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية عام 1969 بعنوان (ما الإنسان؟)، حضرها قوم غفير يتصدرهم وزير الثقافة في تلك المرحلة المرحوم محمد الفاسي، فجاء في تعريفه للإنسان: إنه حيوان يتضرر بمجرى تيار الهواء... ولم يكن الحبابي يقصد بهذا التعريف المستملح إلا الوزير، لأنه كان يجلس في الصفوف الأمامية بلباسه المعهود في مهب تيار هوائي بارد أصابه بالرُّعاش، في ما يبدو، فالتقطه الفيلسوف بنباهته وجعله علامة على تعريف.

أما خطورة التعريف قطعا فهو حين يصير تحديدا قانونيا لشيء، أو تعبيرا فلسفيا عنه أو إدراكا اجتماعيا لموقع أو رتبة أو سلطة أو ما شابه ذلك... فيصير من المحتم آنئذ أن يكون قاعدة أو أن يصبح إجراء أو أن يتحول إلى مُقَرر... إلخ. وليست خطورة التعريف في القول والتحديد فقط، بل وفي التأويل كذلك، إذ على ضوء هذا تنشب الصراعات وبه تتقرر الإجراءات وسواها.

انظر مثلا كيف عالج "المعجم البيوغرافي الإسباني"، الصادر عن الأكاديمية الملكية للتاريخ سنة 2011 (في خمسين مجلدا)، ديكتاتورية فرانكو: فقد جاء فيه في طبعته الأولى أنه "زعيم نظام تحكمي ولكنه غير شمولي" ولم يكن المعرِّف سوى لويس سواريث الأكاديمي المقرب من عائلة فرانكو. ومع أن هذا التعريف أثار سنة 2011 ضجة كبيرة لأنه تجنب تسمية فرانكو بالديكتاتور... ووصل الأمر إلى البرلمان بعد أن وقع التداول بشأنه في مجلس للحكومة، بل وأصدر وزير التعليم آنذاك (2011) قرارا بإلغاء التمويل العمومي، الذي أستفاد منه ما لم يُصلح تعريفه، إلا أنه بقي معتمدا (بما في ذلك صيغته الإلكترونية) إلى عهد قريب جدا، ومن المؤكد أنه استفاد بصورة أقوى من التمويل العمومي على امتداد السنوات الثلاث الماضية حتى بلغ ستة ملايين أورو... إلى أن تقرر حاليا، بعد انتخاب المديرة الجديدة للأكاديمية الملكية للتاريخ كارمن إيغليسياس، تكوين لجنة من المؤرخين لإعادة النظر في المعجم، وتصويب (التعريفات) على ضوء محددات مختلفة، وقد تكون جديدة تعتمد على الحياد المفترض أو تقلل من مطبات التأويل الطاغي.

من قال: إنني أفكر إذن فأنا مُعروف؟.