المقاطعة ليست جريمة والوعيد لا يليق بحكومة مسؤولة

  • الكاتب : محمد الهيني
  • الأربعاء 16 مايو 2018, 10:22

اتفقنا أو اختلفنا مع حملة المقاطعة، الجارية في بلادنا، كأسلوب احتجاجي مدني حضاري، فإن المقاطعة لا تعتبر بالقطع جريمة، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.

لنبدأ من البداية:

مرت عدة أيام على انطلاق حملة مقاطعة منتوجات معينة لثلاث شركات، تهم المحروقات والحليب والمياه المعدنية، وظلت الحكومة ملتزمة الصمت، من رئيس الحكومة، إلى وزير الشؤون العامة، وصولا إلى الناطق الرسمي، إلى أن خرجت الحكومة، الأسبوع الماضي، بأول رد رسمي، ينطبق عليه المثل الديني السائر "سكت دهرا ونطق كفرا"، إذ توعدت المقاطعين بالمتابعة القانونية، معللة ذلك بما اعتبرته "ترويج أخبار زائفة"...

عقب اجتماع المجلس الحكومي الأخير، يوم الخميس الماضي، خرج مصطفى الخلفي، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني الناطق الرسمي باسم الحكومة، ليعلن على الناس أن بعض الداعين إلى المقاطعة اعتمدوا معطيات غير صحيحة، ومؤكدا أن هامش الربح العائد بالنسبة إلى شركة الحليب، مثلا، يبقى في حدود معقولة، أي 20 سنتيما للتر الواحد، وشدد على أنه لم تطرأ أي زيادة في أسعار البيع منذ سنة 2013.

وبناء على ذلك، يقول الخلفي إن المعطيات المتوفرة "تكشف أننا إزاء ترويج معطيات غير صحيحة، وتبين حجم الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها الفلاحون"، وأنه "إذا امتد الأمر إلى الأسر، سنكون أمام تحديات كبيرة"، ليخلص إلى أن "ترويج ادعاءات وأخبار زائفة مخالف للقانون، ولا علاقة له بحرية التعبير، وسنراجع القانون الحالي، لأن ترويج الأخبار الزائفة تضر الاقتصاد الوطني في قطاع الفلاحة وهو قطاع مهم"...

وهنا، لابد من التشديد على أن المقاطعة، أو بصيغة أخرى، الإضراب عن شراء منتوجات معينة، سلوك مدني حضاري متقدم، وهو يعكس وعي المجتمعات، إذ إن هذه المبادرة احتجاجية، فهي تشكل إضرابا عن الشراء والاقتناء.

ولا يوجد في الواقع أي تشريع في العالم يمنع المقاطعة أو يحظرها، باعتبارها تندرج في إطار حرية الاختيار بين السلع والبضائع، كثقافة استهلاكية حقوقية رائدة.

ومن هذه الزاوية، تشكل المقاطعة التجارية سلاحا فعالا في أيدي منظمات حماية المستهلكين في الدول الديمقراطية، للمطالبة بجودة المنتوجات، وإنقاص أثمنتها بحيادية ومسؤولية، وبشكل مدروس وليس اعتباطيا، وبدون خلفيات سياسية أو تجارية ضيقة، ودون الإضرار بالمقاولات الوطنية من خلال قصر المقاطعة عليها دون غيرها، وأن تشمل المقاطعة المواد الأساسية، التي ارتفع ثمنها، أي أن تتوفر جدية سبب المقاطعة وموضوعيته.

وتتوقف نجاعة المقاطعة في كل مجتمع على درجة الوعي الاستهلاكي لدى المواطنين، ومراعاة مصالح جمهور المستهلكين، بإحداث تنافسية لصالح المستهلك، وبإرغام المهنيين على احترام قوانين حماية المستهلك.

وبالعودة إلى التصريح أعلاه للناطق الرسمي باسم الحكومة، الوزير مصطفى الخلفي، بشأن تجريم المقاطعة والمقاطعين، فهذا التصريح مخالف للقانون، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، والمُشرع الجنائي المغربي واجتهادات القضاء لا يُجرّمان المقاطعة التجارية، كما أن قانون تدابير حماية المستهلك أقر بحق الاختيار للمستهلك، مما يعني أنه لا يمكن فرض بضاعة أو منتوج معين دون غيره على المستهلك، فالحكم يرجع إليه وحده أولا وأخيرا، لأن الأذواق والاختيارات لا يُتحكم فيها.

وفي الأخير، نتمنى من الحكومة المغربية أن ترفع عن نفسها لغة التهديد والوعيد، لأن الحكومات تعمل على تحسين أوضاع الشعوب وإسعادها، وهذا هو دورها وواجبها، الذي انتخبت ونصبت من أجله، وليس العكس، بإلقاء المسؤولية على المواطنين ومواجهتهم بالتهديد...