من أجل ثورة هادئة ضد فساد الساسة

  • الكاتب : المصطفى المريزق
  • الاثنين 14 مايو 2018, 11:19
  • 235

كشفت التصريحات الأخيرة، التي أطلقها الناطق الرسمي باسم الحكومة، عن أجواء التوتر والتشاؤم، التي سيطرت على انتظارات المغاربة النشطاء في حقل التغير الاجتماعي، في أعقاب مقاطعة بعض الماركات والمواد الاستهلاكية، وإخفاق الفعل السياسي والنقابي في إقناع الشعب بالقبول بالمقاطعة أو برفضها، في ظل غياب تام لحوار مجتمعي، تحت غطاء المصلحة العامة وحق الناس في المعلومة والعيش الكريم.

فقد بدا واضحا أننا دخلنا في نفق جديد، شاق وطويل، وأن التقدم، الذي كنا ننتظر تطوره أصبحنا نخاف عليه، وأن هذا الإخفاق الجديد ستترتب عليه انعكاسات مهمة تمس مجال الأحزاب السياسية والنقابات.

بل أبعد من ذلك، فقد بدا للبعض منا أن مسيرتنا انتهت إلى الفشل، وأننا أصبحنا نواجه طريقا مسدودا في ضوء اقتراب موعد "الانتفاضة السلمية" من دون قيادات أو زعامات، وهو ما يدفعنا اليوم لأخذ المسافة من لعبة التسوية، ومن المكر والخداع والكذب السياسي.

نعم، ليس لدينا ما نخسره سوى وطننا! نعم، لا نملك ما نخسره، إلا صحتنا البدنية والنفسية والاجتماعية! نعم، كل شيء يهون من أجل الوطن...

لكن المعلوم أن قطار الحل السلمي لمشكلاتنا ينتظر منا اتفاقات وتعاقدات، وليس تصريحات الناطق الرسمي لاجتياز مباراة التسلح بالانحياز للمجهول.

إن المشكلة أعقد بكثير من تصريح ناطق رسمي باسم حكومة لا تمثل إلا نفسها.

مشكلة التنمية الاقتصادية ببلادنا، ومن دون لبس، هي مشكلة سياسية بامتياز، ومن الأكيد أن حلها رهين بثورة هادئة لتحسين مؤسسات السياسات العمومية وتخليصها من سيطرة النفوذ والامتيازات، وتغيير المؤسسات المنتخبة وتحريرها من فساد الساسة، ونخب الريع والتسلط والابتزاز.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الحملة الشعواء ضد من يقاطع، واستهداف المغاربة في مقاومتهم المواطنة والسلمية، واستفزازهم وتهديد مكتسباتهم. ومن كل ذلك، يتضح اليوم أن حملة الابتزاز باتت متعددة، تستهدفنا في كل فضاءات المجتمع، التي ننتمي إليها، وفي دوائر فعلنا السياسي والاجتماعي والحقوقي والثقافي.

ويمكن القول إن حملة الاستهتار بالمواطن باتت متعددة المصادر والأهداف، وتفرض علينا الوضوح والمصداقية أكثر من أي وقت مضى.

إن التصريحات، التي أدلى بها الناطق الرسمي للحكومة، تدل على قمة الارتباك السياسي للحكومة، وعلى تواطئها مع المجهول، وزواج متعتها مع الرأسمال، تحريضا على العنف الاجتماعي، وتكريس واقع الاحتقان.

وما زاد الطين بلة، هو صمت نخب المركز، وتهميش نخب الهامش، وجعلها مياومة في خدمة الأمل محليا، وإقليميا، وجهويا، ووطنيا، لأن الكرامة والخبز وجدا شكلا لزمان النهوض ونضال القرب الخلاق، أمام "واقعية" الهزيمة وفكرها الانتهازي والتسلطي، وممارسات طالما حفرت خندقا بين صلب المواجهة الصلبة لحراس الغد وقيمه النبيلة ضد أعداء الديمقراطية والمناهضين، بفعلهم أو بصمتهم، للهوية الوطنية وكفاحها من أجل الوحدة الترابية والتنمية الاجتماعية الشاملة والعقلانية والعدالة والمساواة.

آن أوان دعم ما تبقى من القوى الوطنية والديمقراطية وتنظيماتها الشبابية والنسائية، مع إطلاق كل الأشكال التضامنية مع الطلبة في الجامعات والمعطلين حاملي الشهادات العليا، و"المتعاقدين"، ونساء العالم القروي، والفلاحين الفقراء، وغيرهم من الشرائح المهمشة.

كما آن أوان اعتماد صيغ جديدة لممارسة النضال الديمقراطي ببلادنا، لأن الصيغ القديمة أخفقت إخفاقا شنيعا، وليس باستطاعتها اليوم مقاومة السلطة الاستبدادية، المرتبطة بهيمنة الشركات ورأسمالها وبورجوازيتها ولوبياتها.

فنحن لا نريد حربا طائفية أو شاملة، ولا نريد انقسامات في مجتمعنا، ولا نريد حكومة الدين والمعتقدات، ولا نريد نخبا مركزية ضد الشعب... نريد الاستقرار اليقين، ونريد مغرب المستقبل، برؤية واعدة من دون معاناة إنسانية.

إن المؤشرات الحالية تقول إننا نسير إلى الهاوية، مادامت الديمقراطية المنشودة باتت معلقة، وما دامت لنا حكومة منافية للتسامح مع الاختلاف، وترفض كل أنواع الاحتجاج على غلاء المعيشة، وعلى الاستبعاد الاجتماعي، وعلى الفقر والهشاشة.

وبناء عليه، فالمجتمع المغربي لا يستطيع أن يؤدي وظيفته وينعم بالاستقرار، إلا إذا كانت الدولة حاضنة لحرية أفراده، بل ومرحبة بها.

إن مغرب اليوم هو فصل آخر عصي على التنبؤ...