إعلان العيون.. معركة الوحدة والديمقراطية

  • الكاتب : أحمد نشاطي
  • الثلاثاء 10 إبريل 2018, 10:24
  • 336
حَلّ قادة الأحزاب المغربية، بمختلف أطيافها السياسية، أمس الاثنين، بمدينة العيون، حيث عقدت اجتماعات طارئة مع منتخبيها بالبرلمان والهيئات الجهوية ومجالس العمالات والأقاليم ورؤساء الجماعات الترابية، وللتواصل المباشر مع السكان، حول التطورات الأخيرة المتعلقة بالنزاع بشأن الصحراء. وتُوج الاجتماع بتوقيع "إعلان العيون"، الذي عبر عن إجماع المغاربة على الدفاع عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية بكل الوسائل المشروعة، وأكدت الأحزاب المغربية التزامها "بتشكيل جبهة سياسية للدفاع عن وحدتنا الترابية، التي كانت وستظل محط إجماع شعبي ومناط تعبئة شاملة"...
اجتماع العيون يحمل رسائل سياسية قوية، حول الموقف المغربي، بما هو موقف بلد برمته، موقف شعب بمختلف مكوناته الأساسية، وليس فقط موقف حكومة أو دولة أو نظام، موقف يجمع الأغلبية الساحقة للمغاربة، تجاه اقتحام جبهة البوليساريو للمنطقة العازلة، وما يتطلبه من رفض قاطع لأي تغييرات عسكرية وإدارية ومدنية، مع ما يستدعيه هذا "الرفض القاطع" من تعبئة واستعداد لكل الاحتمالات لمواجهة محاولات فرض الأمر الواقع...
لهذا الاجتماع، أيضا، رسالة أخرى تتعلق بالأحزاب نفسها، في علاقتها بالمجتمع، وكذا بالدولة... الاجتماع محطة أخرى تؤكد حاجة الأحزاب الملحة إلى تأهيل متقدم وقوي، للقيام بدورها الدستوري الأساسي في تأطير المواطنين، في مختلف مناطق المغرب، وضمنها الأقاليم الجنوبية، طبقا للقواعد الديمقراطية...
الاجتماع يحمّل المسؤولية لكل الأحزاب، دون استثناء، في إخلاء الساحة، والتركيز على الزعامات والأعيان وترك المناطق الجنوبية عرضة للفراغ، الذي تستثمره جبهة البوليساريو في عمليات الاستقطاب...
الاجتماع هو، أيضا، فرصة سانحة لتخرج الأحزاب من وضعيتها الحالية، التي تبدو مريحة ظاهريا لكنها مكلفة وطنيا وحزبيا، والتي تترك ملف القضية الوطنية برمته يدبّر مركزيا، وتكتفي بمباركة المبادرات الرسمية دون قيمة مضافة ملموسة...
وفي هذا الصدد، وبالعودة إلى مختلف مبادرات التقصي والتحقيق في الأوضاع بالصحراء، نجد أنها تكاد تجمع على الاختلال الحاصل في العلاقة بين الأحزاب والسكان، خصوصا أمام "بعض" الزعامات، التي تستعمل "القبيلة" في الأقاليم الجنوبية كأداة لتخويف الدولة والمزايدة عليها، وجعلها رهينة مطالب هذه الزعامات، والأنكى أن تسقط بعض الأحزاب في هذا الشرك، إذ عوض أن تتوجه إلى العمق وإلى القواعد، إلى الناس البسطاء، وإلى الطبقة المتوسطة، وإلى النخب المثقفة النقية، للقيام بدورها الدستوري في التأطير، شرعت تتعامل مع الموضوع، بدورها، بنوع من النزعة المصلحية، والميكيافلية، وتهافتت نحو تلك الزعامات، للحصول على حصتها من أصوات المنطقة في كل استحقاق انتخابي. ونتيجة لهذا الوضع، فقد التأطير معناه الحقيقي والنبيل، واستبدل العمل السياسي الجماهيري العمومي المتواصل واليومي والمرتبط بقضايا الناس وانشغالاتهم، بخرجات مناسباتية، فيها الكثير من الشكل، والقليل من المضمون والجوهر. وكانت النتيجة هي إضعاف وتبخيس دور الوسائط التقليدية، وتبخيس دور المؤسسات المنتخبة، من خلال إفراغها من مسؤولياتها، وعدم محاسبتها، أو تهميش بعضها، مما جعلها عرضة للابتذال، ومصدر عدم ثقة وتوجس، في الحالة، التي لا تكون مصدر انتفاع مباشر...
اجتماع العيون، يفترض أن يكون له ما بعده، سواء بالنسبة للدولة، التي لعبت أدوارا بئيسة في تخريب العمل الحزبي بالمنطقة، في العقود السابقة، إذ كان نهجها القمعي الإقصائي لا يتحمل وجود تنظيمات سياسية مخالفة، انطلاقا من رؤية قاصرة لـ"الإجماع الوطني"... أو بالنسبة للأحزاب، للخروج من وضع الهامشية والإهمال للتأطير السياسي والحزبي، وتكوين وتثقيف مناضلين مؤهلين وقادرين على الصراع والحوار السياسيين، مع جميع المكونات السياسية في الساحة، بمن فيهم من يسمون "بوليساريو الداخل"، وتجسير التواصل والحوار في مختلف المواقع، من الفضاءات العامة، إلى اللقاءات الخاصة والتواصلات العائلية، إلى غير ذلك من السبل لإقناع المغاربة الانفصاليين بجدارة الوحدة، والنضال المشترك، لمواجهة الفساد والاستبداد، ومن أجل الدمقرطة والتحديث والتقدم والتنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية...
وكما سبق أن أشرنا إلى ذلك، في هذه المساحة، فإن ما يجري في عالم اليوم، ما عاد يتيح مجالا للعب والمناورة، ولا للاتكالية والانتظارية، بقدر ما يضع مختلف التشكيلات السياسية أمام تحديات التأهيل الفعلي والحقيقي، ليس بالخطب والشعارات، والغرق في الصراعات، واستنزاف الطاقات، وافتعال الخصومات، وشخصنة الخلافات. التأهيل المنشود يفترض أن يكون شاملا، وعاجلا بلا انتظار، وحاسما بلا جبر للخواطر. التأهيل المنتظر هو تأهيل للذات الحزبية، في مختلف هياكلها، تنظيميا وسياسيا وإيديولوجيا، من أجل الارتقاء بالعمل السياسي إلى مستوى تطلعات الأجيال الجديدة، وإلى مستوى الهدف المجتمعي المنشود لمغرب واحد وموحد، يسع الجميع، جميع أبنائه سواء كانوا في أقاليمنا الجنوبية، أو كانوا في مخيمات تندوف...
إعلان العيون أطلق أمس معركة وطنية كبيرة، أمام الجميع، دولة ومجتمعا، لربح رهان المغرب الديمقراطي الحداثي الحر والموحد...