السفر إلى تونس والعودة إلى المغرب (الحلقة الثالثة)

  • الكاتب :
  • الخميس 29 مارس 2018, 14:23
  • 1997
العاصمة من أوطيل أفريكا
المَعْلَمة الحقيقية البارزة، ولو أنها غير تاريخية، في العاصمة التونسية هي السفارة الفرنسية. سُبّة في وجه الحبيب بورقيبة، أقصد شارعه الكبير الفسيح، مهما كانت وجاهة التهديدات الإرهابية التي تهدد البلد، مهما كان التأويل النابع من توقع، مهما كان السبب الذي يجب أن يدركه المغفلون أيضا. ولو كان أمر الإرهاب معقولا في تلك العاصمة لكان المواطن التونسي أجدر بأن يُلَفَّ في ملفوف لحمايته أيضا من كل اعتداء، مثلما هو عليه الحال مع تلك السفارة التي طُوّقت بالمتاريس والأسلاك الشائكة في حراسة مزمنة لدبابتين متهالكتين... إلى أشجار مورقة ظليلة غطت واجهة البناية وسودتها. دعك من حراسها فهم كُثُر تلفعوا في لباس أسود اختارته الشرطة التونسية للتميز كأنما طُلِيَت نفسها، أقصد هندامها النظامي، بالقطران. وبالطبع لا يمكن لك أن تأخذ صورة، ولو كانت "سيلفي"، مَخافةَ إرهابٍ متوقع يشعرونك بوجوده في كل منعطف... بينما الناس في مقاهيهم لا يبالون كما أدركت.
تقع السفارة الفرنسية في المحج الرئيسي المسمى بالحبيب بورقيبة. ولكنها تقع أيضا على مقربة من المدخل الرئيس من جهة الغرب إلى المدينة القديمة التي تفتخر أيما افتخار بجامع الزيتونة الشهير بطبيعة الحال، وخصوصا بعد أن أعيد ترميمه وصار يستقطب عددا من السياح الجدد الذين، على الأرجح، لم يسمعوا بوجوده من قبل. المدينة القديمة من أيام زين العابدين بنعلي تموت تدريجيا ابتداء من الثامنة مساء فلا يعود في دروبها إلا متسكع حائر يخالها أقفرت في وجهه على إثر جائحة. الأبواب المتلاصقة المقفلة لا توحي بأي شيء، ربما بالغموض... إلى درجة معينة من الخوف الطبيعي الذي يسكن منذ القرون الماضية في المدن المغاربية القديمة. ثم أدركت أن السكون الذي يخيم بغتة على تلك النواحي أجدى لها من (الفوضى الخلاقة)، المسماة بالتشرميل، التي تشهدها المدينة القديمة الفاسية في أعنف مظاهرها الأزلية، منذ أن أصبح القتل في الشارع حجة طبيعية على (التقرقيب) والهلوسة ... وذلك حين تعبث السيوف المصنوعة في الحدادة المجاورة بجميع الوجوه العابرة، مغاربة وأجانب،... إلا من كان منها على دراية بفنون القتال وجاهزا، بمجرد خروجه من بيته، للمعارك التلقائية الناشبة بدون إنذار. ومن حسن الحظ أن المدينة التونسية القديمة لم تعرف بعد حالة من التسيب كهذه... تلك التي أودت، على سبيل المثال لا الحصر، بوجوه أربعة من الألمانيين السائحين بدون هدف في (الطالعة الصغيرة) بالمدينة التي يسمونها، مع الظلم الواقع هنا على التسمية وعلى اللغة نفسها، بالعاصمة العلمية.
كانت الحرارة في تونس العاصمة، ولعله كان الحال في مناطق أخرى أيضا، قد تجاوزت المعتاد في عرف سكانها، فبلغت ثلاثة وأربعين درجة وأكثر. أما الرطوبة فَسَيَّالة لا تتوقف، ولا يأتي من الناحية الشرقية لخليج البحر الأبيض المتوسط أي نسيم يعتد به، فهذه كانت المصيبة أمام الانتشاف الذي يشعر به الزائر في الحلق وفي الروح كذلك، فلا يصبح من ملاذ إلا تلك الأماكن المحجوزة سلفا لمن في قلوبهم ظمأ للإرتواء، أيا كان الشراب الذي بمفعوله المُدوّخ يستطيع أن يفكّ العُقَدِ المتكلسة في الصدور... أعني، على التوالي، بسبب الحر وسياسة البلد و(نداء تونس) والتحولات العامة التي انكسرت فيها على صخر أصَمَّ من التراب، بعد احتراق البوعزيزي، بسبب الترددات الكثيرة التي عاشتها (الثورة) التونسية على مائدة، إن لم تكن موائد التسويات، علما بأن تلك الموائد ضمت إلى أسرارها جلساء، في كثير من الأحيان، من الملتحين الداعين إلى (الحاكمية) باسم (النهضة)، وخصوصا باسم تأويلها الإسلاموي المراوغ الذي رأي فيه أصحاب اليسار السلفي في المغرب قفزة على عُلُوّ محترم نحو الديمقراطية... الديمقراطية، هذه المحلوم بها التي لم يحققها المغرب، كما يقولون، بسبب الإجهاض الذي تعرضت له، وياللعجب، حركة 20 فبراير. ويضيفون في بعض الخطابات الأكثر سلفية، هذه المرة من الزاوية اليسارية، أنها، تلك الديمقراطية السحرية المتعالية، لن تتحقق أبدا إلا على أياديهم الطاهرة... ولا يمكن للمرء إلا أن يشاطرهم هذا القطع الجهنمي مع الأمل... حتى تتضح الرؤية أكثر.
في الناحية الأخرى تقع وزارة الداخلية المجيدة... التي من كثرة التأويل الإرهابي صارت، وقد بزّت في ذلك أختها المغربية، منطقة معزولة لا يصل إليها إلا حراسها. ولقد بدا لي من غير المعقول تماما أن تقوم الوزارة في تلك الناحية البارزة من شارع الحبيب بورقيبة ولا يكون بمقدور أي كان أن ينظر إليها إلا خلسة... وإني لأشعر بالانزعاج من ثورة أجازت هذا "التبرج" العمراني المثير لجميع الرغبات المدنية في استفزازه العلني لكل مَشَّاء.
وإذا كان شارع بورقيبة في الاتجاه الشرقي يقود إلى المياه الحافة بالعاصمة، وبمحاذاتها يهدر قطار متهالك يقود، عبر محطات صغيرة متناثرة، إلى حلق الوادي، ثم إلى سيدي بوسعيد، ففي الناحية الغربية من نفس الشارع الطويل العريض تقوم المدينة العتيقة كشاهد على عراقة ما... كثيرا ما تحولت في السياسات العصرية إلى برنامج سياحي غير مأمون العواقب بالنسبة للسياح الأجانب. تماما كما يحدث في الزحام المغربي أمام انتشار (الفرّاشة) الآمنين بدعم من المصالح البلدية في كل شبر من المدن العفنة كالدارالبيضاء مثلا، وهذا من جهة، أو تحت سلطة التشرميل السائد في الأحياء والشوارع بقسوة لا تراعي للدم حرمة، من جهة أخرى... وهناك جهات ليس من الضروري ذكرها حتى لا يأخذها الإخوة التونسيون، وهم في غنى عنها بالتأكيد، كنموذج لاحتلال الملك العام أو كقدوة للاغتيال السياسي.
وقد سبق لي، في حمى الدهشة الأولى، أن زرت المدينة القديمة وجامع زيتونتها العريق، ويخيل إليّ أنني رأيت أيامها، كما في حلم قديم علاه غبار الزمن، نوعا من (العتاقة) و(التقليدية) في ما كان يباع ويشترى أيضا، إلى شيء من النظافة، إلى أشياء أخرى تتبدى في الكلام والسلام والعرض والإغراء وحتى في التثاؤب والغش، فيما كانت العطور التقليدية، سواء منها تلك الآتية من الشرق أو تلك المصنوعة في تونس ترويجا لأناقة محلية، فواحة تتشممها مخلوطة برائحة التراب القديم الأتية من جوف السنين، بل ويمكن أن (تراها) في زرقة عينين بارقتين، أو في شقرة شعر هارب من الظلال، أو في مشية متواطئة مع (المالوف) الصارخ بالرغبات المتبقية من أندلس سليبة... إلخ، غير أن زيارتي هذه كشفت لي شيئا في غاية الغرابة، إذ قلت في نفسي المُفَارٍقَة الحزينة: أيكون التغيّر دائما وِبَالا على الماضي، فتكون النوسطالجيا عادة أكبر مظهر للثورة المغدورة؟ والحقيقة أن المدينة العتيقة العريقة القديمة أصبحت حومة من الصراخ المنبعث عاليا من هنا وهناك. أنا حسبت هذا التغير آتٍ من رغبة دفينة تبقَّت من أيام الشطح الصوفي الذي كان يقام على نغمات الذِّكْر في الجوار تماما من الزيتونة. هكذا حسبته وسمعته، ولهم أن يسمعوه إن سمعوه كآهات أو مناجاة. لقد تآلف الناس، في ما بدا لي، مع الصراخ على تلك البضائع المزركشة كما تآلفوا مع البضائع الصينية التي صارت تحتل الواجات بدون مزاحمة تذكر، أو، على الأرجح، ولعله هو الصواب أيضا، في غيبة ذلك الحس الوطني الذي عرف عن بعض التونسيين بتحريض تربوي من البورقيبية المُطاح بها غدرا من أقرب المتآمرين عليها. ولا شيء في المدينة القديمة اليوم يستحق أن يوصف بأية قيمة في هذه الزيارة، بل ووجدتني في ضيق من نفسي أريد الخروج من أي مخرج كان طلبا لنسمة هواء معدومة. يضاف إلى هذا، في فاس وفي مدن أخرى إذا أحببت شيئا من المقارنة المقرفة، أن الأزبال والقذورات الجماعية، فلا اختلاف ولا خلاف على ذلك بطبيعة الحال، هي سلع مدننا القديمة البائرة المتهالكة ذات الروائح الكريهة.
يدلف السائح الأجنبي الهوينا إلى هذه المنطقة الظليلة بدعوى الاكتشاف الحضاري المحجوز بين الأسوار والدروب الضيقة. ثم يتدافع مع الزحام استعدادا للتحرش الممكن. تقفز في وجهه عبارات طنانة، ورطانات بالإنجليزية والفرنسية، وبعضها بتلك الإسبانية المظلومة التي لا تؤدي المعنى المراد فلا تفصح عن القبح. يتأمل ألبسة سُوّيت على عجل باسم الصناعة التقليدية في معامل سرية رطبة بأيادي أطفال وبنات دون سن البلوغ. يصل هذا السائح إلى فسحة تقع هنا وهناك على مقربة من جامع الزيتونة. يأخذ للعراقة بضع صور هاربة من الماضي المصوغ في احتيال. ثم لا يترك وراءه إلا خطاه المترددة في فضاء مأهول بالأصوات وفيه الصراخ مبتدأ ومنتهى كما قلت في السابق.
هل قلت إن هؤلاء هم الروس البيض الذين قصدوا تونس الخضراء (بعد أن شبعوا من الثورة الحمراء) لا يملكون، في ما يبدو، دينارا واحدا يبحث عنه التونسيون بالريق الناشف... وذلك بعد أن صرفوا كل شيء للوكالات السياحية الروسية يوم واعدتهم بأن تونس الحالية لا علاقة لها بالثورة البلشفية البالية. يقول لك التونسي الغاضب منهم: هؤلاء لا يخسرون أي شيء، بل ويربحون كل شيء من الشمس إلى الماء... مرورا بالاستجمام المريح في فضاءات سياحية محكمة الصنع الأمني. رأيت منهم كثيرين إلى جانب آسيويين تجرهم من أعناقهم كاميراتهم الصغيرة غير آبهين بالأشياء الزائدة، لأن قصدهم هو الوقوف على الاختلاف حيثما بدا لهم مفارقا في أي شيء ظاهر أو غريب، مخلوقات وأوضاعا وأشياء. وأنا بالطبع لم يكن في شكلي ولا في لغتي ما قد يبعث على الاختلاف (ولم أقل الاشتباه) إلا في النادر الذي لا حكم عليه، ولم يكن اختلافي مع التونسيين، في ذلك الوقت، إلا في برمي من مدينتهم العتيقة، دون أن أُظْهِر لهم شيئا من ذلك مخافة اعتقال آخر بالطبع. المدينة القديمة لا تقود إلى المتاه لأنها محاطة بالسور ومفتوحة على الأبواب المقوسة. ومن حسن حظ القنوط أو الضجر، الذي يلابس النفس بعد إجهاد، أن الخروج يكون ممكنا نحو فضاءات أخرى لها دليلها السري ولكنها بدون سور ولا أبواب. وهنا، أيْ على شيء كثير من القرف، كان عليّ أن أبحث عن أقرب مطعم قد يقودني إليه دليلي على النيت. إنني أبحث عن نسيان ينسيني، مع طلعة أو هبطة شراب لذيذ، هذا البؤس الذي تقول لي به هذه العاصمة المغاربية الأخرى: إنك في التحول الذي قد يرديك لئيما وحقودا، فابتعد برأسك عن سيف المقارنة والتأويل.