كتاب البراقش..الحلقة 25:العارضة الأخيرة

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الخميس 18 أكتوبر 2018, 11:46

ربما كانت المقدمة من صفحتين، أو ما يشبه الاستهلال أو العتبة كذلك، هي الرواية نفسها كأصل للحكاية. العتبة مؤشر على حكاية، واعتمادا على عنصرها المركزي المتمثل في لقاء بين سارد ولوحة لفنان سوف تنبني الرواية. والمهم في هذا اللقاء الفني ومجاله المتحف، وانطلاقا من العنصر المذكور، سينطلق السارد من لوحة لكي يتعرف على الشخصية وقد رسمت، كانت مرسومة، في اللوحة. أتكلم عن جياكوميتي وعن كارولين وليس بينهما إلا صوت الرواية الذي يجسده السارد.

اللوحة هي مبرر الحكاية، أما اللقاء مع اللوحة، فحالة فيها انجذاب بحكم الذوق الفني، وأما الرواية فقصة علاقة مفعمة بالأمل وملغزة بين فنان على كِبر وغير مبال وفتاة أعماها الحب. لقد قضى ألبرتو جياكوميتي سنوات من عمره وهو يرسم كارولين بدون كلل، قبل أن يدركه الموت، فخلّد بذلك أيقونة.

سنعرف أن السارد لاذ بـ(متحف الفن المعاصر) بباريز لقتل الضجر الأليم، الذي استبد بعقله من جراء تجربة حب خائبة، بل ويقول: كنت ضائعا ومدوخا في معرض لللوحات الشخصية، غير مبال ولا على اهتمام كبير بها. وفجأة أوقفته لوحة، أو لعله توقف أمامها، ولكنه أدرك في الحقيقة أنه بإزاء نظرة: شابة مذهلة تجلس قبالة فنان مدهش وقد تزيّت بالأحمر القاني ووضعت يديها على خصرها. لك أن تقول: إن اللوحة لا تتميز بأي شيء خاص، بيد أن السارد سيقول: العكس تماما، فاللوحة، في نظري، كانت تكلمني بعينين مبهرتين فيهما عمق وجاذبية. وبما أن النظرة كانت تغزو المكان، بل وتمرح بين جميع اللوحات الشخصية التي كانت في المتحف كما يقول السارد، فما كان لها، بطبيعة الحال، إلا أن تأسره. تراجع إلى الخلف، اقترب من اللوحة، دخل إلى اللوحة، اللوحة تصل إليه، وعندما يحدث ذلك يبلغ، كما يقول، درجة عليا من التجرد غير منشغل بأي شيء... لأنه في اللوحة وليس في الجوار إلا الصمت. والأهم من هذا وذاك أن المرأة الجالسة في اللوحة تنظر إليه، بل ولا تنظر إلا إليه بينما يتدفق اللون الأحمر القاني كما لو كان شلال دم على الرخام البارق. النظرة قوية، ممتلئة، مشحونة باللغز، العالم من حوله صامت، وليس إلا (الضوء الداخلي) الذي يشع من حوله كأنه يأتي من روح مفارق. يقول السارد في حال من التماهي: ننظر إلى بعضينا، ولا أعرف من يختبر الآخر منا نحن الإثنين... إلى أن انتبه، في الأخير، إلى أن زائرا آخر للمتحف قد أصبح على مقربة منه، فصار يقرأ في تمام وعيه:

(ألبرتو جياكوميتي، كارولين 1965، زيت على قماش 92س على 65س، مجموعة خاصة).

كان جياكوميتي، لمن عرفه في أواخر الخمسينيات، على شيء كبير من الجدية، رغم أن التعب، أيضا، كان قد أخذ منه حيويته، إلى جانب إدمانه الشديد على التدخين (أربع علب في اليوم الواحد) الذي لم ينفع معه نهي ولا تسلية ولا خوف. وفي هذه الفترة بالذات، تعرف على كارولين أو هي التي تعرفت عليه بحكم الشهرة... وذلك عام 1958... حتى قيل عن هذا التعرف (إنه سفر بدون نهاية).

ويبدو أيضا أن فارق السن بين الاثنين كان كبيرا وشاسعا بالمعنين النفسي والعقلي، فالأربعون سنة التي تفصل بينهما لا يمكن أن تختزل في حب أو إعجاب أو افتتان... ولا حتى في تلك الرغبة العميقة، التي داهمت الفنان في نشوته لـ"تحنيط" أيقونته. كما لم تكن هذه المدة تعني لجياكوميتي أي شيء، لأنه كان يهيم في حب النساء كما كتب عن نفسه ذات يوم، بل وصرح أنه لم يكن يخفي إعجابه الغريب والغامض بالمومسات على وجه الخصوص (فكل جولاتي الليلة، كما قال، كانت بحثا عن العاهرات. كنت مفتونا بالعاهرات ولا تلفت نظري أية امرأة أخرى. العاهرات وحدهن يجتذبنني بإغراء لا حد له. كنت أريد رؤيتهن كلهن والتعرف عليهم كلهن... وفي كل ليلة، كنت أبدأ جولاتي المتوحدة في سبيل ذلك). والمهم أن جياكوميتي حين تعرف على كارولين كان متزوجا زواجا بوهيميا من أنيت Annette وبقي مرتبطا بها، رغم كل شيء، إلى أواخر أيام حياته وموته في يناير 1966، فلم يحل ذلك بينه وبين حبه أو إعجابه أو ممارساته الليلية والفنية، حتى قيل عن تلك العلاقة إنها أزلية بالمعنى المجازي لا فكاك منها لأسباب غامضة ومرضية ربما (كاثوليكية أيضا بالمعنى الديني) في جوهرها.

قام الحب على رغبة فنية مضطربة وعشقٍ لَهْوِي من جانب، وعلى دهشة وميل يطبعه الإعجاب من الجانب الآخر... فكان اللقاء بين الفنان والعاهرة من ناحيتين أيضا: بالريشة لأنه أراد تخليد جسدها في لوحة أو مثال، وبالجسد لأنه كان مكمن الإغراء وموضوع الإعجاب ومادة اللوحة أو المثال. وهذا ما جعل أحد المعلقين يقول: لقد رأى الفنان في عينيها وحدة وألما لا نهاية لهما، أي وحدته الوجودية وألمه الخاص في حقيقة ما كان يعيشه من أوضاع، وهو التطابق الوجودي القائم على نوع من التماهي.

أتكلم عن رواية العارضة الأخيرة، في طبعتها الإسبانية، لـفرانك موبير Frank Moubert، حين تجعل من القصة التي قامت بين الفنان والعارضة موضوع اهتمام أولا، ومحور سرد ثانيا، وقصة مغرية، في الأخير، توحي بالكثير من الدلالات. ويكون ذلك كله بعد أن مات جياكوميتي وبلغ الكبر بالعارضة كارولين مبلغه وانقضت سنوات جمر كانت تبعث على الدهشة، فيما تحولت أيامها إلى ذكريات نوسطالجية مؤرقة وحزينة... على الأقل في من يدركون اليوم بفقد، كما يجب أن نقول، مرور السنوات وآثارها الجارجة دائما في الصدور والعقول.

وحين يلتقي السارد بكارولين لا يتردد في وصفها قائلا: (... واليوم بعد مضي خمسة عقود من الزمن ما زالت هناك نفس النظرة الزرقاء... التي تظهر للناظر بدون عناء لأنها مباشِرة وفورية ولا تكذب بل وتسائل الناظر. إنها نظرة كارولين آخر موديلات جياكوميتي).

مقالات ذات صلة