كتاب البراقش..الحلقة 22:الدليل المثلي على الحرية

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الخميس 11 أكتوبر 2018, 13:03

لا أعرف عبد الله الطايع، وليس من الضروري أن أعرفه أو أن يعرفني، واعتقادي أن في اختلاف الأجيال رحمة. وأريد القول إنني لا أعرفه رغم اهتمامي الشديد بالسير الذاتية وتعلقي الأكيد، المرضي المزمن كما أحس به في ذاتي وعقلي، بمعرفة المسارات الإنسانية. ومع هذا فقد قرأت له بعض الكتب الخفيفة بمجرد ما أن بدأت كتبه في الانتشار، وخصوصا منها تلك التي نشرتها دار (سوي) تباعا منذ 2006. وحين صار اسمه دالا، من خلال الكتابة وبدونها، على تميز في خلقه وطبع في سلوكه، صرت أكثر اهتماما به كاسم علم جاذب... ولا أعرف لذلك تفسيرا في ذائقتي ولا في حساسيتي. ولما قرأت في ذلك العبور الذي نقلب فيه الكتاب على ظهره بين أيدينا ما مفاده أنه نجا من اغتصاب جماعي، وأنه طفل سلا الأنثوي، وأنه يسابق أحلامه فيركض وقد يكبو، بل وقد يموت ولكنه ينهض من موته أكثر إصرارا على المضي قدما نحو سماوات أخرى حيث يختبر جسده ويغني شجونه (سأحكي لك في يوم ما المرة الأولى التي مِتّ فيها، كما كتب ذات مرة)، أقول منذ ذلك اليوم انشغلت بعالمه على نحو من الأنحاء. وقد أزعجني كثيرا، وأنا أتكلم هنا بنوع من الإعجاب المشوب بالمنافسة الضمنية، التي قد يراها البعض حقدا دفينا أو أعمى، أنه لم يكن يعرف الفرنسية فأتقنها ربما، وكتب بها ربما، وأنه كان فقيرا منزرعا في سلا فأصبح على غنى أقل من الثراء الفاحش في فرنسا، وأنه كان مقموعا في ذاته وجنسه فغيّر مكان الإقامة منجذبا نحو مدينة النور فتحرر، على الأرجح، من نفسه ومجتمعه... وأراه من حيث السن دون الخمسين ببضع سنوات. وهذه تجربة قياسية من الناحية الزمنية في البروز والشهرة والاغتناء والرتبة… في المغرب على الأقل.

مسار سهل ومعقد في نفس الآن، ولكنه حزين في إنسانيته الجريحة عندما نراه، بكل تجرد أو ذاتية، من زاوية الدعم، ونراه من ناحية المجتمع، ونراه في الأخير من الجانب الثقافي.

يصل إلى فرنسا بنفس الحركة التي يمكن لأي كان، مع توفر بعض الشروط الذاتية، أن يحقق بها لجوءه الجنسي إلى فضاء الحرية ومجال التحرر. هذا وصول مدعوم من بعض الأغيار الذين توسموا فيه فضيلة أو نبوغا ما، وهو دعم يندرج في إطار المساندة الثقافية التي تمحضها بعض المجموعات البشرية لغيرها، أفرادا كانوا أم حركات.. من باب التضامن الذي قد يكون مشروطا أو غير مشروط… إلا حين يكون بمقابل تلقائي يأتي من الناحية الأخلاقية عفويا. وما كان لعبد الله الطايع أن يكون في الفضاء الأوروبي على النحو الذي هو عليه لو لم يكن محمولا على دعم.

ينتقم عبد الله الطايع من المغرب بهروبه منه. هذا واضح من الذهاب إلى فرنسا وليس إلى اليابان مثلا. الرمزية ظاهرة وترتبط بالحرية والتخلص والإدانة كذلك. الحرية في مقابل القمع (بما في ذلك الجنسي)، التخلص من الإكراهات المانعة والمدمرة للذوات الفردية المختلفة، الإدانة للعقلية الذكورية الأبوية التسلطية. هذا كله بصورة مجملة. هناك مجتمع موروث، في واقع الحال، تكرست وتكلست فيه نظمه الأخلاقية والعقائدية البالية يوم انغلقت على نفسها وانحدرت بالأفراد إلى الدونية المقيتة. لا تكون المواجهة في هذه الحالة إلا مع المجتمع الأبوي الذكوري التسلطي المنطوي على ذهنيته الخرافية المريضة القامعة لكل اختلاف وتنوع.

يملك عبد الله الطايع معرفة وأدبا، وهو، من هذه الزاوية، ذو استعداد مكتسب جعل منه مبدعا يحاول ارتياد عالم الكتابة والنشر، ولكن هذا المستوى الثقافي كان في حاجة إلى عناية ومناخ واحتضان، وهو ما وجده من خلال الدعم عندما قرر الهروب بنفسه من محيطه العام، وكذا من جميع أشكال الضغط، وفي مقدمتها الضغط الذي مورس على ذاته بالإكراه أو بالإشاعة أو بالمنع القانوني أو بغير ذلك.

وهكذا ففي ظرف سبع عشرة سنة تمكن عبد الله الطايع من نشر أحد عشر كتابا، وأنجز فيلما سنة 2012 عن شرطة الذاتي الإنساني في مجتمع يضطهد المثليين كاضطهاده للكلاب وللحيوانات الضالة وغير الضالة عموما.

غير أنني أجده في كل ما كتب يدور حول نفسه وحول موضوعه الإنساني الأثير بغير قليل من النرجسية والمظلومية. واعتقادي الشخصي أن تناول المثلية الجنسية مسألة أساسية في الدفاع عن الحرية والاختلاف (بما في ذلك البيولوجي)، ولكنها تصبح بدون موضوع حقيقي عندما تتحول إلى علامة مسجلة.

مقالات ذات صلة