كتاب البراقش..الحلقة 20: المرحومة أمُّه، المكلوم هوَّ

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الخميس 4 أكتوبر 2018, 10:28
كل الذين كتبوا عن أمهاتهم بالغوا، على الأرجح، في الحنين إلى وجودها الحي بعد الفقد، وكل الذين لم يكتبوا عن فقدها أماتوا، في ما يبدو، عواطفهم الجياشة في الصمت الحزين… الذي يعني في هذه الحالة، وربما بالضرورة، ملاذ الكتابة وأنين اللغة وخلاء التعبير إلى شيء من الحسرة، بل وإلى كل العواطف الباكية الشاكية، التي تستبد بالفرد مهما بلغ من التجلد عِنَادَا.. لأن بالكتابة، كما نعلم، يسلس التعبير عن مناطق الوعي ومجاهل اللاوعي معا، مثلما تنقاد العواطف معها إلى المنطقة الفاصلة بين الأسى والبوح، أي إلى الصبر (أصله الحَبْس) أو السلوان (أصله النسيان وهو عند اللحياني: شيء يسقاه العاشق ليسلو عن المرأة..) أو ما في معناهما.
وقد أرّخ رولان بارت بعاطفة الفقد الملتهبة، مسألة لم ينتظرها منه حواريوه الشِّعْرِيُّون والسيميولوجيون، لحالة خصوصية من حالات تباريح الأسى حين رزئ في وفاة أمه فلم يطق بعدها صبرا رغم أنه واظب على الكتابة كأنه لم يكن ليفتكّ من أسارها إلا بالمداومة عليها وعلى إلحاحها المباغث.
وحين توفيت هذه الأم في (25 أكتوبر 1977) تركت وراءها حالة لا اسما عَلَما فقط، فراغا لا علاقة فقط، حدبا كأنه البلسم الشافي لا دما عائليا يشهد على الارتباط العاطفي والوجداني فقط. ولذلك رثاها رولان بارت بأصدق عبارات الرثاء، وتعزى وراءها بأوفى عواطف العزاء، ولم يجد بعدها من يستطيع ملء فراغها أو أن يملأ الفراغ الذي يستوحشها. يقول وهو العارف بالقدرية المُربِكة يوم 27 أكتوبر وكأنه يجيب عن سؤال مُحيّر: لم تَعْرِف جسد امرأة؟ وكأني به يَرُدّ: بلى، عرفتُ جسد أمي المريضة وهي تُحتضر. ثم وهو يفسر الوحدة اعتبارا لأساه بعد وفاتها ولم يكن قد مضى على ذلك إلا بضعة أيام: الوحدة… ألا تجد أحدا في بيت تستطيع أن تقول له: لقد عدتُ في ساعة ما، أو أن تهاتفه قائلا له: ها، لقد عدت. فيبكي إذنْ من تعاسة يوم رهيب في حياته، ويمرض ولا مَن يُعَايِده في عيد ميلاده بالذات (بل ولا يجد من يقول له ذلك، كما يذْكرُ)، وإذا سمع (جيرار سوزاي) يغني: (في قلبي حزن كريه) انفجر باكيا من تداعيات نفس الحزن، ولا يرتاح في السفر الذي قاده إلى تونس ذات يوم من أيام الحِداد على أمه، فلا يظهر له من ذلك إلا الأعطاب التي رافقت سفره وكثرة العائدين إلى بلدهم من المهاجرين التائهين، فينتصب السؤال: لماذا تترافق شرورُ عَطَلِ هذا اليوم، يومِ السفر، مع الحداد؟. السؤال غير البريء لأنه يقود إلى حالٍ بَرِم ومتناقض، بين حبه للمناقشة وانكبابه على الملاحظة وتعلقه بالاهتمام ورغبته الأكيدة للاستمرار في العيش، وبين انقباض الحزن الذي يسيطر على وجدانه، فهو معاناة إضافية تقوي لديه إحساسا يداهمه بأنه أصبح متروكا غير منظم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. والحقيقة، كما يقول عن نفسه في اليوم الواحد والعشرين من شهر نوفمبر، أنه منذ وفاة أمه أصبح يشعر (بضعف في الهضم، كما لو أنني أصبتُ في المكان الذي كانت تهتم به فيَّ: الأكل، مع أنها لم تكن هي التي تعده).
يتوهّم رولان بارت بأنه يعرف جيدا من أين يأتيه التوتر وهو يعيد قراءة (مذكراته)، أي، كما يؤكد، من إحساسه الحركي العابر بالفرح، وأساسا من الخيبة. وهو ما جعله يعتبر الكتابة، في درجتها القصوى، نوعا من السخرية. والتوتر، لذلك، يأتي من عمق الحزن عندما لا يستطيع التخلي عن الكتابة.
نحن بصدد حداد تدرجي ينبع من الجسد فيصيب الوحدة ويحمل على البكاء ويؤدي إلى المرض ويغرق صاحبه في الحزن ولا يعطي لمقاومته اليومية أي معنى فيجعل التوتر حالة سرمدية تؤرق وجوده… فينتصر للكتابة وتنتصر الكتابة عليه. أريد القول إن الفقدان، وفي حالة بارت فقدان الأم، هو الخصاص الذي لا يتعادل البتة إلا مع البتر الذي قد يتعرض له الكيان الإنساني المسكون بالحساسية المفرطة. وبارت، في الحقيقة التي أستَخْلِصُها من مذكراته، لم يكن يرثي أمه، بل حاله وحال تكوينه الشخصي والثقافي كباحث سيميولوجي عن المعنى في نص الحداد المزمن.

مقالات ذات صلة