كتاب البراقش..الحلقة 19: الإنسان المتمرد

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الأربعاء 3 أكتوبر 2018, 11:52

أزيد من قرن، وأزيد من نصفه كذلك، على ولادة ألبير كامو وعلى وفاته. مسار واحد متصل، مبتدأه نطفة ومنتهاه حادثة سير مروعة أنهت مشوارَ كاتبٍ مختلف في مقتبل حياته الأدبية، إذ لم يكن سنه يتجاوز السابعة والأربعين... باحتساب مرحلة الصبا والشباب، ولأنه كان في الرابعة والعشرين، عندما نشر أول كتاب له عام 1937، في مسقط رأسه الجزائر ذات الفقر المدقع والتخلف الفظيع والاحتلال المتواصل.

وكان من الممكن أن يكون لحياته مسارها الآخر: من حيث الطول والإنتاج، أكثر ثراء وأكثر تفكيرا في القضايا التي انشغل بها وعالجها. ومع ذلك، لأن التوقع الافتراضي لا يفيد، فبين الميلاد والوفاة حياة صاخبة متوترة متقلبة مترحّلة أيضا منفلتة ومتمردة، أي جميع تلك الأوصاف التي قد تحيل على (براديغم) شامل في كيفية تمثله للعالم بصفة عامة.

وحين قال جان دانيال عنه: من الصعب أن نفهمه إذا لم نعرف أن نيتشه ودوستوفسكي، وهما معا على طرفي نقيض تقريبا في مقاربة (حقائق) الوجود والكائن والله، كانا مرجعين أساسيين من مراجعه الفكرية، التي انبنت عليها تصوراته النظرية في كتابه (الإنسان المتمرد-1951) على وجه الخصوص، لعرفنا كيف جعل من فكرة (الوجود الناقص في أساس التحقق المباح)، أي ذلك التناقض المفهوم، في كثير من الأحيان، بين اليأس الشخصي والوجودي وبين والرغبة العارمة المتحللة من كل قيد في إحداث التغيير والثورة على الواقع. والذي يعطي لهذا التناقض حدته القصوى أن الحياة، في نظر كامو، لا معنى لها، ولذلك وجب، من خلال تلك الرغبة العارمة، إعطاؤها معنى. هنا التجاذب القائم على التناظر في الذات والفكر، وهو الذي سيدفع ج. دنيال إلى وصف كامو بـ(المصلح الجذري).

ويخيل إلي أن في أساس هذا التطور الفكري، فضلا عن التأثيراتة المختلفة التي تأثر بها ألبير كامو، ثلاثة عناصر.. ليست في مستوى العوامل الحاسمة: أولها، الفقر، إذ من المعروف أنه ولد وتربى في بيئة فقيرة ذكرها في كتاباته أكثر من مرة. ومنذ صغره أيضا انتقل للعيش مع أمه بعد موت أبيه خلال الحرب في حي فقير بالعاصمة الجزائرية. كما أنه لم يكن ليتابع دراسته العامة إلا بفضل العطف الذي محضه إياه بعض أساتذته، الذين ظل يذكرهم أبدا، وعلى رأسهم (جرمين)، الذي كان له من حيث الدعم سببا كافيا ووجيها للاستمرار حتى تحقق له، على الأرجح، ما أراده لنفسه. ومع أن هذا الفقر لم يكن في مستوى الإعوزاز الذي ذكره عن منطقة القبايل، إلا أنه طبع حياته بالخصاص ولم يتخلص منه تدريجيا إلا بعد أن انتقل إلى فرنسا نهائيا... وإن كان قد لاحقه من الناحية الاجتماعية والرمزية حين لم يرحم له منافسوه وبعض خصومه من المثقفين أصوله المتواضعة.

أما العنصر الثاني فهو المرتبط بغياب الأب... الذي خيم على وجوده منذ سن مبكرة كتعبير عن الفقد والغياب الدائمين، اللذين تحولا، في مراحل لاحقة من حياته، إلى جرح لم يندمل مطلقا بعد ذلك. وأذكر أنني قرأت منذ سنوات روايته الجميلة غير المكتملة (الرجل الأول) فوجدت فيها بحثه الممض عن الأب في المقابر، التي خلفتها الحرب العالمية على التراب الفرنسي، فلم يعثر له على أثر في سجل أو في حكاية. ولذلك يتبخر الوعد الذي قطعه لأمه الصامتة وينصرف الباحث، مرة أخرى، إلى تركيب فصول حياته وفق اختيارات وجودية ملغزة تمجد العدمية، مع أنه كان قد انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي من قبل.

العنصر الأخير هو بالتأكيد صمت الأم، بل وخرسها الذي ظل يُلجِم لسانها غير قادرة على التواصل مع ابنها وهو يترعرع أمامها في أقسى ظروف الحرمان وأشد معاناة اليتم. يتوالى في هذا العنصر الصامت قلق الطفل أمام لامبالاة الأم الغريبة، وفيه أيضا، كما يقول هو نفسه: الصورة اليائسة والحنونة لوحدة مزدوجة: أنا وأمي، وفيه ما يشبه دائما صورة الأم التي لا تفكر أبدا، والرمز الحي وسوى ذلك. وهي لم تكن تتكلم إلا قليلا ونادرا، لأنها لم تكن تسمع جيدا، كما أنها لم تكن تملك ما يكفي من ألفاظ الكلام. ولذلك سماها في بعض الكتابات بالغريبة. صورة أم في أجلى ما يمكن أن يكون عليه الحنان والإشفاق والخوف والحسرة... وهي الصورة التي صاحبته في مختلف أعماله الروائية التخييلية بصيغ مختلفة.

يمكن أن نقرأ هذه العناصر المتداخلة من خلال شخصية بطل روايته غير المكتملة جاك كورميري حين يصل، مثلا، إلى خلاصة رمزية ومأساوية في نفس الوقت مفادها: أنَّ هناك في الكون دائما مكانا أكثر إيجابية، بل وفيه الشمس الساطعة، وأن كل إنسان، حتى ولو لم يكن يتيما (مثل كامو نفسه) أو حتى بدون إلاه، هو الرجل (الإنسان) الأول، وعليه، إذن، أن يبتدع أخلاقا وأن يخترع، خطوة بعد خطوة، علاقته مع الآخرين.

مقالات ذات صلة