أعكاو: ارتكبنا أخطاء في التواصل مع عائلاتنا أعادتنا إلى نقطة البداية (الحلقة 12)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الاثنين 17 سبتمبر 2018, 11:25

رغم السنين التي مرت، وخروج من كُتب لهم عيش حياة جديدة عن صمتهم وأعادوا سرد قصصهم مع سنوات الموت وهم في ريعان شبابهم، إلا أن معاودة الحديث عن معتقل تزمامارت ما يزال يشد الانتباه والتعاطف، ليس فقط لأن تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من هذا المعتقل ماتزال مختبئة بين القصص التي رويت، وليس فقط لأن التاريخ أبى أن ينسى جانبه الأسود، بل أيضا لأن سؤال ماذا بعد تزمامارت يأبى كثيرون نسيانه، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو الذي كُتبت له عمر جديد بعد قضائه 19 سنة داخل المعتقل الرهيب.

 

أعكاو: ارتكبنا أخطاء في التواصل مع عائلاتنا أعادتنا إلى نقطة البداية (الحلقة 12)

 

+ كيف انقلب عليكم التواصل وداهم الحراس زنازينكم؟

كما قلت سابقا كنت من المحرومين ولم أستطع التواصل مع عائلتي في العملية الأخيرة، لأن رسالتي كانت مع الرايس الذي حُرم بدوره ولم يتلق أي رد. وإن كانت للتواصل فوائد، فله أيضا مساوئ وانقلب علينا لأننا جنينا من الأخطاء التي ارتكبنا الويل.

+ كيف ذلك؟

استقام لنا الحال في فترة لما تمكننا من فتح نافذة على العالم بفضل "الترانزيستور" وربطنا الاتصال ببعض العائلات، كما ترك لنا بعض الحراس مساحة لزيارة بعضنا البعض وعيادة المريض فينا، لكن في غمرة هذا الانفراج الباعث على أمل كبير، حل يوم مشؤوم قلب كل شيء. إذ في الوقت الذي كنا نقتصر على طلب بعض الضروريات من خلال رسائل بعضنا إلى عائلاتهم، وفي مجملها تكون عبارة عن مقويات لما اقتنعنا بأن الدواء بالنسبة إلى أغلبنا لا يجدي نفعا، توصل بعضنا بمجلتين كانتا تمرران من زنزانة إلى أخرى ليطلع عليها المعتقلون، ولسوء حظنا أنه في تلك اللحظة التي مررها صديق إلى جاره باغته حارس مقيت وخطفها من بين يديه وهو يرسم ابتسامة حقد وخبث. ورغم أننا ظللنا نتوسل إليه تلذذ بذلك ولم يشفق لحالنا ولم يعر لنا أي اهمام فغاد العنبر، فكانت نتيجة هذه الواقعة أن داهم الحراس زنازيننا وشرعوا في تفتيشنا تفتيشا رهيبا وحشيا لم يبق فينا شيئا.

+ كيف عاش أعكاو ذلك اليوم المشؤوم؟

لقد كان لهذا التفتيش عواقب ضارة ومؤذية بالنسبة إلي. قبل حلول هذا اليوم الذي أعادني إلى نقطة الصفر كنت قد طلبت من الحراس السماح لي بعيادة الصفريوي لأنه كان طريح الفراش، ولما أذنوا لي بذلك قضيت معه قرابة ثلاثة أشهر أعتني به. وكان قد تمكن من ربط الاتصال مع عائلته ومن حين إلى آخر كان يمدني حارس بالأشياء المُرسلة إليه، ومنها علب جبنة لأمنحها للصفريوي لذلك كنت أحتفظ ببعض العلب الفارغة.

في ذلك اليوم من سنة 1982 فتحوا علينا الأبواب ولم يتركوا شيئا إلا وفتشوه، من شقوق وثقوب الحيطان والزوايا وما لدينا من أسمال وحتى الحفرة التي تسمى المرحاض...

كان الأمر يستدعي منا إيجاد طرق لدس كل الأشياء التي جمعناها طيلة سنوات، كي لا يكتشفها الحراس، من مسامير ومرايا وقنينات وعلب فارغة ومقص محلي الصنع... لذلك التجأت شخصيا إلى جمع كل ما لدي من "مكتسبات" في كيس صغير حزمته جيدا وربطت أسفله بحبل وأخرجته من ثقب السقف ووضعت الطرف الآخر للحبل على جانب الثقب بكيفية دقيقة تسهل إخراج الكيس بجره.

عندما ولج الحارس زنزانتي ذهب توا إلى الفراش الذي صنعته فمزق جزءا منه فكان أول ما وقعت عليه يداه هو علبة جبن مضغوطة، فاستمر في التمزيق فسقطت باقي العلب الفارغة التي بعجتها وحشوت بها فراشي. إذ لأتفادى صقيع وصلابة المصطبة الإسمنتية التي كانت بمثابة سريرنا، التجأت إلى تخييط ما تبقى لدي من فراشين رقيقين حتى أصبحا عبارة عن كيس مفتوح من جهة واحدة لأبدأ بحشو ودس كل الأشياء التي تصلح لصنع مُضطجع. حشوت فيه بقايا بعض العلب المضغوطة وحتى شعري الذي قصصت وشعر بعض الأصدقاء وجمعت خشاش الأغطية حتى تمكنت من صنع ما يشبه شبه سرير أنام عليه.

+ وما كان رد فعل الحارس؟

حين تساقطت أشيائي التفت إلى صديقه الذي كان منهمكا في تفتيش زنزانة مجاورة، فخاطبه وهو يضحك بسخرية "أيهاي شوف هذا عندو الفرماجة خاصو غير الورج"، وأخذ معه فراشي إلى ساحة المعتقل. طننت أنه سيفرغه من كل ما دسسته لكنه عاد من دونه وأغلق الباب عليّ متجاهلا صراخي، لأجد نفسي في زنزانة فارغة كما دخلتها أول مرة.

مقالات ذات صلة