أعكاو: معاناة تزمامارت لم يقتسمها المعتقلون بنفس القدر (الحلقة 10)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الخميس 13 سبتمبر 2018, 14:33

رغم السنين التي مرت، وخروج من كُتب لهم عيش حياة جديدة عن صمتهم وأعادوا سرد قصصهم مع سنوات الموت وهم في ريعان شبابهم، إلا أن معاودة الحديث عن معتقل تزمامارت ما يزال يشد الانتباه والتعاطف، ليس فقط لأن تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من هذا المعتقل ماتزال مختبئة بين القصص التي رويت، وليس فقط لأن التاريخ أبى أن ينسى جانبه الأسود، بل أيضا لأن سؤال ماذا بعد تزمامارت يأبى كثيرون نسيانه، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو الذي كُتبت له عمر جديد بعد قضائه 19 سنة داخل المعتقل الرهيب.

 

أعكاو: معاناة تزمامارت لم يقتسمها المعتقلون بنفس القدر (الحلقة 10)

 

مرة ثانية لم يدم مقامي في زنزانة محمد العايدي إلا قليلا من الزمن، فقد أخطأ الحارس من جديد فهمّ بإخراجي من عنده. وكم كان المشهد مأثرا في هذه اللحظة حين خطفني الحارس من بين يدي العايدي الذي احتضنني بقوة عندما اكتشف أني لست عبد الله الفراوي، واستمر ينادي باسمي وأنا خارج الزنزانة.


لم تنته محنتي مع هذا التنقل الذي أجبرني على جر جسمي العليل بصعوبة متنقلا بين تلك الفظاعة، فقد وجدت نفسي داخل حجرة أخرى، ناداني من يقبع فيها باسمي عندما تعرف عليّ، إنه محمد العفياوي الذي جيء به من العنبر الأول، وما إن جلسنا نتساءل عن سر تغيير مكاننا حتى فُتح علينا الباب وأُمرنا بالخروج. هذه المرة ليس لدخول زنزانة أخرى ولكن للعودة إلى العنبر الأول!
وبالطريقة المهينة التي نُقلنا بها إلى العنبر الثاني رجعنا إلى الأول، فقد استعمل الحراس "البرويطة" لحمل من عجزوا على المشي والوقوف، ومن بقيت لديهم ذرة قوة فقد تأبطوا بالسجانين وجروا أجسادهم في اتجاه العنبر للعودة إلى بؤسنا.


لماذا تم تنقيلكم وإرجاعكم في هذه المدة الوجيزة؟


لأن الحراس وقعوا في خطأ، فقد جاءت أوامر إلى مدير المعتقل بإخلاء بعض زنازين العنبر الثاني الذي قل فيه عدد السجناء بعد موجة الموت التي زحفت إليهم، ففعلوا العكس ونقلوني رفقة خمسة آخرين قبل أن يستدركوا الأمر.


وهل فعلا وصل سجناء جدد؟


لا مع المدة تبين أن لا وجود لمعتقلين جدد.

 هل أثر فيك هذا التنقيل وأنت الذي كنت في حالة مزرية؟


كما أسفلت الذكر تمكنت من العيش في هذا المكان الذي يزداد وحشة، وتكيفت مع ظروفه، إذ كنت أترك جسدي في الزنزانة وأهرب بعقلي إلى الخارج كي لا أفقده، أسافر به إلى حضن عائلتي وأستذكر مغامراتي ورحلاتي وأستحضر طفولتي وكل ما هو جميل. وقد كانت طريقتي هذه بمثابة شحنة نفسية وبلسم يعينني على التكيف مع الواقع الذي أعود إليه مهما سفرت بعيدا بعقلي.
بطبيعة الحال تمكني من التكيف مع الوضع أخذ مني وقتا ومراحل طويلة وكثيرا من الصبر، لذلك تأثرت عندما وجدت نفسي فجأة في مكان أكثر قسوة وفظاعة أسقط عددا من الأرواح أكثر من العنبر الأول.


أي أن العنبر الثاني كان أقل فظاعة من الأول؟


نعم، العنبر الثاني كان أكثر جهنمية من جهنم عنبرنا سرّعت من سقوط الأرواح مبكرا، وتبين لي ذلك عندما تنقلت بين زنازينه بالخطأ، أي أن معاناة تزمامارت لم يقتسمها المعتقلون بنفس القدر.


 هل تأثرت نفسيا بعد مشاهدتك أوضاع العنبر؟


لو بقيت فيه وجب عليّ التكيف كما فعلت مع العنبر الأول عبر مراحل، وهذا بالنسبة إلي مستحيل، لأني بالإضافة إلى قسوته، سأرتك ورائي أناسا طيبين ومثاليين استأنست لجوارهم الحسن. كما أننا في العنبر تمكنا من تحقيق مكتسبات يستحيل توفيرها في العنبر الثاني، خصوصا بعد وضعنا لبرنامج خاص مكننا من التعايش مع ظروفنا القاسية وجعلنا نتضامن في ما بيننا. أي أن تنقيلي ترك لدي آثارا نفسية سلبية.
 

وما التداعيات الصحية التي خلفها هذا التنقل؟


عانيت صحيا بعد رحلتي القسرية القصيرة إلى العنبر الثاني، فلمدة ثلاثة أشهر التي تلتها استحال عليّ النوم وأصابني الأرق، وتغير مزاجي لدرجة فضلت الارتكان والانزواء إلى نفسي كي لا أؤثر على البرنامج الذي كنا نسير عليه، فأصبحت قليل الكلام، وهذا أصعب من أن يصيبك مرض جسدي لأني أصبحت أرى الأشباح في زنزانتي رقم 5 بمجرد أن يسود الصمت. دمت على هذه الحال لثلاثة أشهر إلى أن استطعت استعادة نفسيتي لأني أردت العيش وألا أستسلم وأهب نفسي لدفني حيا.

 

مقالات ذات صلة