أعكاو: حين حللت ضيفا على أشباح وجثث تمشي في العنبر الأول (الحلقة 9)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الأربعاء 12 سبتمبر 2018, 12:19

رغم السنين التي مرت، وخروج من كُتب لهم عيش حياة جديدة عن صمتهم وأعادوا سرد قصصهم مع سنوات الموت وهم في ريعان شبابهم، إلا أن معاودة الحديث عن معتقل تزمامارت ما يزال يشد الانتباه والتعاطف، ليس فقط لأن تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من هذا المعتقل ماتزال مختبئة بين القصص التي رويت، وليس فقط لأن التاريخ أبى أن ينسى جانبه الأسود، بل أيضا لأن سؤال ماذا بعد تزمامارت يأبى كثيرون نسيانه، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو الذي كُتبت له عمر جديد بعد قضائه 19 سنة داخل المعتقل الرهيب.

 

أعكاو: حين حللت ضيفا على أشباح وجثث تمشي في العنبر الأول (الحلقة 9)

 

... كنا أمواتا ونحن نُساق إلى العنبر الثاني من طرف الحراس الذين نزلت عليهم أوامر وجب تنفيذها، وبينما كنت واقفا عند باب العنبر الأول أحاول أخذ أنفاسي وأستجمع ما تبقى لدي من قوة لأستكمل طريقي إلى المجهول، تراءى لي المعتقلون الذين سبقوني وهم يتهاوون لشدة عجزهم على المشي أو الوقوف، تساقطوا كأوراق الخريف، حتى إن الحراس اضطروا إلى حمل بعضنا. لكن المشهد الأكثر إثارة هو عندما خرج حارس من وجهتنا وهو يجر "برويطة" في اتجاه السعودي الذي كان يلحقني قبل أن يسقط أرضا بمجرد خروجه من "قبره" لكي يُكمل بها مسيره، فقد بلغ بهم الأمر إلى استعمالها لنقلنا إلى العنبر تنفيذا للأوامر.

ونحن في ذلك المشهد الذي لن تراه إلا في فيلم خيالي يحكي قصة جنود أخرجوا من قبورهم إلى قبور أخرى، لمحت حراسا كانوا متراصين أمام الباب الرئيسي المؤدي على العنبرين، واقفين وفي أيديهم هراوات (زراوط)، ليس لتأمين المكان، بل لأنهم كانوا يترصدوننا! كانوا على أهبة الاستعداد لينهالوا على كل من حاول الانعتاق والهرب! رغم أنهم كانوا يشاهدون أمامهم أشباحا بالكاد تتحرك وهي تتأبط بالحراس بينما أخرى انهارت لا تقوى حتى على الزحف فكيف لها أن تفر رغم رغبتها في ذلك.

وأنا أمضي متحسسا سبيلي كطفل يتعلم المشي وتمييز الأشياء إذا بالحارس بندريس يخرج من العنبر الثاني، وعلى غير عادة قلبه الغليظ صرخ في وجه حراس الهراوات قائلا لهم "آ ولاد الحرام واش كتشوفو فالناس كطيح وانتوما شادين الهراروات، لوحوهم وسيرو هزو المحابسية"، فهبوا لمساعدتنا، أو بالأحرى لمساعدة الحارس على إيصال هذه الجثث التي تمشي.

* وأخيرا تمكنت من ولوج العنبر الثاني؟

تمكن حارس من إدخالي إلى العنبر، فتح زنزانة لا تختلف عن زنازين عنبرنا الأول في شيء ودفعني إلى حضن فظاعتها وأغلق الباب. من وراء ظلمتها وكآبتها لمحت شخصا بأسمال تلتصق بجسده النحيل وبلحية كثيفة لم تخف قهر الزمان على وجهه، رحب بي بشدة وأنا مندهش، سألني عن اسمي فقلت له إنني عبد الله أعكاو من العنبر الأول فعنقني وعرفني باسمه قائلا إنه الملازم الحيفي، قبل أن يأتيني بإناء من الحمص اقترحت عليه وضعه جانبا لتناوله في وقت لاحق. لقد كان كريما في ترحابه بي، لكن ضيافته لي لم تستمر إلا وقتا وجيزا جدا إذ بالحارس يعود ليفتح الباب وجرني إلى الخارج لأنه أودعني الزنزانة الخطأ.

* وإلى أين وجهتك المقبلة؟

مرة ثانية وجدت نفسي في "قبر" آخر، دفعني إليه السجان وأغلق ورائي الباب الحديدي، لأجد أمامي شبحا لا تقل حالته فظاعة عنا، سرعان ما تعرفت عليه، إنه المساعد أول محمد العايدي الذي كان يشغل منصب رئيس قسم السلاحيين. عرّفت بنفسي فقال لي مرحبا بك يا عبد الله تفضل بالجلوس، وحين استغربت من ترحيبه بهذه البرودة أعدت تقديم نفسي، حينها انقض عليّ هذه المرة وضمني إليه بحرارة وأخذ يقبلني. لقد كان في الوهلة الأولى يظن أني عبد الله الفراوي الذي يجاوره في نفس العنبر. من جديد لم يدم مقامي عنده إلا قليلا فقد أخطأ الحارس الزنزانة وهمّ بإخراجي في مشهد مأثر جدا...
 

مقالات ذات صلة