أعكاو: أخرجني الحراس من زنزانتي خطأ بعد أكثر من 6 سنوات في الظلمة (الحلقة 8)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الاثنين 10 سبتمبر 2018, 20:37

رغم السنين التي مرت، وخروج من كُتب لهم عيش حياة جديدة عن صمتهم وأعادوا سرد قصصهم مع سنوات الموت وهم في ريعان شبابهم، إلا أن معاودة الحديث عن معتقل تزمامارت ما يزال يشد الانتباه والتعاطف، ليس فقط لأن تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من هذا المعتقل ماتزال مختبئة بين القصص التي رويت، وليس فقط لأن التاريخ أبى أن ينسى جانبه الأسود، بل أيضا لأن سؤال ماذا بعد تزمامارت يأبى كثيرون نسيانه، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو الذي كُتبت له عمر جديد بعد قضائه 19 سنة داخل المعتقل الرهيب.

 

أعكاو: أخرجني الحراس من زنزانتي خطأ بعد أكثر من 6 سنوات في الظلمة (الحلقة 8)

 

++ ما نتيجة تقربكم مرة أخرى من بعض الحراس بعدما كانت علاقتكم مشحونة بأمر من مدير المعتقل الذي حذرهم حتى من النظر إليكم؟

إعادة إحياء العلاقة مع بعض الحراس أدت إلى تمكن الطيار صالح حشاد من تجديد التواصل مع عائلته، بعدما أرسل إليها رسائل كانت مرفقة برسائل بعض المعتقلين، عن طريق ملاك تزمامارت الحارس الشربادوي، وهي ثالث عملية تواصل بعد الأولى التي كانت في الأسبوع الأول من مجيئنا إلى المعتقل شيء الذكر والثانية التي انكشف فيها أمر خربوش بسبب وشاية بندريس لمدير المعتقل الذي دبر له كمينا في مدينة الريش وأخبر الحراس في ما بعد بأننا موجودون هنا لنموت.

+ وهل تفاءلتم بقرب انتهاء معاناتكم في هذا الجحيم بعد هذا التقرب؟

شخصيا كنت أحرص على أن أبقى متمسكا بأمل انعتاقنا من هذا الجحيم، خصوصا وأننا كنا نحرص على متابعة ما يجري في خارج تزمامارت عبر مذياع كان بحوزة الملازم السعودي (كنا نقتصد في استعماله حفاظا على بطاريته). في هذه الفترة من التاريخ كان يهيأ لإجراء انتخابات تشريعية وجماعية وذلك في إطار رفع حالة الاستثناء التي كان أعلنها الحسن الثاني، وبالتالي كان لدينا أمل في أن تتحرك المعارضة والأحزاب السياسية وأن تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، من ضمنهم نحن. لكن ستمر هذه الانتخابات ويتم توزيع المناصب الحكومية وسينصب المعطي بوعبيد وزيرا أول ووزيرا للعدل، فخاب ظننا لأن الجميع تنكر لنا وخاننا خاصة أن بوعبيد كان قد ترافع في قضيتنا بل قال حينها إن محاكمتنا مهزلة. وما زاد من حنقنا أنه عندما حل وفد من منظمة "أمنستي" للاستفسار عن مصير المعتقلين السياسيين تنكر ونفى وجود معتقل اسمه تزمامارت.

+ وهل كانت الأوضاع خارج المعتقل تنعكس على تعامل الحراس معكم؟

بالطبع كانت تنعكس لأنه في كل مرة يظهر لنا بصيص أمل بالانعتاق يمدون لنا اليد العون ويلينون في معاملتهم لنا.

* وأين مدير المعتقل من كل الذي يقع ألم يكن يزوركم؟
نادرا ما كان يأتي إلى الثكنة، فقد فضل الاستقرار في مدينة مكناس، حيث كان لصيقا بحانة لا يغادرها ليل نهار يحتسي الخمر ويأمر الحراس عبر الهاتف. وعندما يحضر إلى المعتقل فإنه يأتي للسطو على الميزانية المخصصة للسجناء والحراس في الثكنة ويترك لنا فتات الفتات، بل كان يتاجر حتى في الحطب والبنزين. وأتذكر أننا كنا قد التجأنا إلى حيلة لكسر السلك الذي كان يشد به الحراس النويفذة الصغيرة في باب الزنزانة، فيعيدون وضعه فنكسره، ولما علم بالأمر دخل علينا ذات يوم وصرخ في وجهنا قائلا "هرستو السلك ديال الشرجم دابا تشوفو شكون اللي يتهرس".

* ما الذي بقي عالقا في ذاكرة أعكاو من المعاناة الفردية التي ظل يكتوي بها خارج المعاناة الجماعية التي كنتم تتقاسمونها؟

ذات يوم ولج الحراس الدهليز فجأة في غير موعدهم، وشرعوا في فتح أبواب الزنازين من رقم 1، إلى 5 رقم زنزانتي، فأمرني حارس بمغادرتها. كنت من شدة الوهن والمرض الذي نال من صحتي لسنوات طوال لا أقوى على الوقوف، فحرص على ألا أسقط وهو يسوقني وأنا متمايل لا أقوى على تحريك ما تبقى لدي من عظام وهنة إلى خارج العنبر، خطوة خطوة أمشي متثاقلا إلى نور وهواء ونسيم حرمت منهم بعد دفني هنا لحوالي 6 سنوات بين مخالب الفظاعة والإهمال، أمشي إلى حياة ما بعد الموت.

وما إن عانق هيكلي العظمي، يضيف أعكاو، أشعة الشمس وأحس بدفئها يقرص جثتي التي تختبئ تحت أسمال حتى أصبت بدوار كاد يُسقطني أرضا، وكيف لا وقد قبعت في الظلمة سنين من الدهر، وحتى إن قاومت ألمي ورفعت رأسي المطأطأ فإني سأفقد لا محالة عيناي الغائرتان لأنهما ألفتا القتامة. لما توقفت لأسترجع ما تبقي من قوتي وأعي بما يجري حولي مستندا إلى الحارس لمحت أمامي هياكل عظمية أخرجت هي أيضا لتساق إلى العنبر الثاني الذي كان يقابل عنبرنا، ولكم أن تتصوروا حالنا الفظيع حينها إذ لا أحد منا كان قادرا على المشي أو الوقوف، كنا أحياء أمواتا، حتى إن الحراس اضطروا إلى حمل بعضنا على ظهورهم والذهاب بهم إلى العنبر حيث يوجد بقية أصدقائنا. إلا أن أكثر المشاهد إثارة هي عندما خرج حارس من وجهتنا وهو يجر "برويطة" مسرعا في اتجاه السعودي الذي سقط بمجرد خروجه من قبورنا...

 

 

مقالات ذات صلة