كتاب البراقش..الحلقة 13:الوداع الأخير

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الأحد 2 سبتمبر 2018, 13:42

شعرت بالأسى الخصوصي، على خلاف ما شعرت به في "وداعات" أخرى، لا نكاد ننسى أحزانها، في هذه السنوات الأخيرة، حتى تنثال علينا مفجعة بِأَمَضِّه. وحين أسمع من يقول إن الموتَ قدريٌّ لا مهرب منه، أشعر بالقسوة التي تدعونا إلى النسيان كي لا تفسد علينا شِدَّةَ وَشَدَهَ الحياة الفانية. وجاءني الحزن الخصوصي مقرونا بالأشواق، لأنني لم أر آسية، لجفوة حب عابرة، منذ أربع سنوات، ومعلوما بالفجع، لأنني على بُعْدٍ لا يرحل بي مطلقا، وبالحزن الكاوي، لأنني أعرف أن أشواقي لن تلتقي، وأن فجعي لن يهدأ، وأن هذا الحزن المبارك سيقترن عندي باليتم كما اقترن صنوه منذ الوفيات الأولى التي ودعتُ فيها أحبابا. ولأن آسية، وقد أضيف هذا مصطبرا على ألم الفقد، كانت لي أكبر من صديقة، وأعز من رفيقة. أنا يتيم بعد الآن على يتمي القديم.

في يوم ما من أواخر سنة دراسية بكلية الحقوق بالدارالبيضاء، بدا لي، في حمى النضال الطلابي آنذاك، أنني رأيت آل الوديع كلهم وقد التفوا على اليسار الذي دعونا إليه، أيامئذ، مقبلين على التغيير راغبين في الثورة. كان بإمكان الشاب، في تلك الأيام، أن يحدس شيئا مهما للغاية: النضال لا يأتي من عدم، بل من الثقافة والوعي، وفي حالة آل الوديع من انخراط سلالة في أتون المعارك الملتهبة ضد أحلك سنوات الاستبداد. هكذا تمتد المعرفة، لنقل بداية المعرفة، التي رأيت فيها آسية في حلبة، إلى بداية الصداقة التي انعقدت في ما بعد، فصارت ميدانا شاسعا للأحلام وللأوهام، لما لا يقال أو يقال بالتخمين، لما كان يعاش في أرع صوره المحلومة على شيء من الحرية والحياة. كنا نتقاسم المتع ولا نتفارق إلا في الأمزحة حتى لكأن المرأة، هي بالذات، كانت ربيبة جميع الرجال الطلقاء السرحاء وسيدة نفسها أصلا، نِدّا لها لا لغيرها، في جميع ما كان يميزها من حنو يقطر حياء، وارتباك يبرق في عينيها كدعوة للمتعة أو لما شئت من التداعيات. أما قهقهاتها في غير ما ليلة صدحتْ فيها الأوجاع رَوْعا، على حشرجة تنبعث من لفافاتها المبخرة، فكانت مبهجة لا تكف عن النداء المجلجل بكل الرغبات. النداء بالتأكيد، أنا أدري لماذا: لأنها كانت تستدعي كيانها كله، ممسوسا بالانطلاق تماما، لكي يبوح في اللحظات المفرحة المنتزعة من أساها ووداعتها بالدعة والعنفوان والارتياح.

عرفت، في الحقيقة، منذ بداية المعرفة كيانا لا يكف عن الحنان، وعن الإدراك، وعن الخجل، وعن البذل، أي نفس الكيان الذي أدركتْ صاحبته، في التجربة، أن الحياة لا تعاش من خلال المعاشرة الرحيمة إلا للإغراق، حصرا ودوما، في الوحدة الأليمة. كانت، كما أريد أن أقول في غيابها بكل إعجاب، امرأة مأساوية بالمعنى الذي نستدل به اليوم على فئة نوعية في طريق الانقراض من المتألمين الحالمين: أولئك الذين يخرجون من ذواتهم في الصباح ولا يعودون إليها منهكين إلا في الليل. فهم أنْصَافٌ فقط لا إكْمَالٌ، لا يعيشون حياتهم بالقدر الذي يكفل لهم حقوقا في المتع والوجود بحسب الاستطاعة والقدرة بالطبع، بل يعيشون ليلهم حين يهمي عليهم بالإحباط والأوجاع... كل ذلك بالقدر الجميل، الذي يبررونه من الناحية الفكرية بالبذل، ومن الناحية النفسية بالمؤانسة، ومن الناحية السياسية بالعطاء... لأن السياسة الطبيعية أو التلقائية، حتى لا أقول النبيلة، توجد في هؤلاء الناس منذ بداية عصرهم مع التزاماتهم الفكرية والأخلاقية. كان مرادي أن أقول إن السياسة في هؤلاء الناس، كما هم فيها، ليست إلا احتسابا للكبرياء لا للمصالح، وتقديرا للحقوق والواجبات لا امتيازا، فيكون العطاء إذن وعيا بالآخر من حيث هو لا لمهمة حزبية قد تتقرر في غرفة.

أنا أعرف أن في الألم والحلم مأزق جميع الرغبات الذاتية، بل وعذاب الروح، ولمَ لا أنات الكينونة المُقطّرة من جراح الآخرين... وهذا ما كان يجمعني بآسية: أي تلك المواجهة اليومية، وغالبا ما تكون الحصيلة بالليل، مع الذات لأنها لم تنهزم أمام جميع الرغبات الجامحة، ومع الوجود لأنه رُكنٌ فلسفي فينا مستديمٌ وأزلي وغامض، ومع الحياة لأنها غير عادلة أولا، وخطرها على الأفراد والجماعات أنها طبقيةٌ وحظوظٌ وفرصٌ للغصص ثانيا، وأنها مدمرة حين يجف حبها وتنتشف الرحمة بين أفرادها ثالثا، ومع الآخرين لأنهم طلاب حاجات أبدا وأقومُ في الإلحاح دائما، ومع الأوهام لأنها مبدأ الهروب وملجأ الوعي، ومع ومع ومع... مع آسية نفسها لأنها كانت تدرك ذلك في الكثير مما كنا نتداوله ونحن جَرْحَى أيامٍ غادية لا تتوقف ننزف أحلاما وأوهاما.

أحب أن أستنجد بالكثير من الذكريات الآن: يوم أنْ أدهشني صباح الورد الأحمر بعد مسير ليلة متعبة في اتجاه الجنوب... لا أستطيع أن أبين أكثر لأنني كنتُ أسيرَ نفسي. يوم السجون والأدواء والعطايا. يوم المحاكمة. يوم المواقف التي كانت تريد أن تثبت لنفسها قبل غيرها أنها أجدر بالعزة. يوم الأسفار إلى جغرافيات متداخلة الأنحاء. يوم الغناء والبكاء. يوم الأوجاع... وأيام أخرى غير متداولة بين الناس ينوء بحملها المتذكر.

مسألة واحدة في هذا الاستنجاد المتوالي لن أنساها مهما كان مبلغ الحزن على فراقها: فما زالتْ في نفسي غصة حارقة، حقيقية أعني، من يوم أن قالت امرأة متعالية لرجل هامشي: أيهذا الذي... أما كفاك جفاك؟، ولعلي في الدهشة حين أدركت أنها تخاطبني سمعتُ جفائي، فهل أجفيتُها أنا؟، أو لعلها كانت مَجْفُوَّة آسية. لا أعرف ولا أذكر. كان هاتفها، قرب منتصف الليل تقريبا، بدون سابق إنذار وأنا منزو كالمتعبد في ركن الوحدة مني ومن أيامي. وَمَنْ أجهش بالبكاء يا ترى؟ هي بالتأكيد، لأنها كانت صوتا يتداعى بالآلام كلها، ولم أكن أنا، في الضفة الأخرى، إلا صداها الغافي. لم نتبادل إلا الدموع والصمت على ما كان يدرك كل واحد منا في شكواه. سأقول لماذا؟ لأنها كانت أيضا امرأة هشة رُكّبت من حنين ومن عتاب، ولم أكن أنا إلا الوجيب الوَجْبَان.

كم تحينتُ الفرصة تلك التي لم تحن أبدا لكي أعترض طريقها ذات يوم لأقول لها على هامش معركة لم تقع أبدا: لقد هُزِمْتُ بك وانتصَرْتِ بكبرياءِ وَدَاعَتِكِ على أسَايْ.

صحيح أنني أتكلم عن آسية من الماضي الذي كلما أمعنت التفكير في أيامه التي اقتسمناها... إلا وأزداد اقتناعا، بعد أن رحلتْ هكذا، بأنها عاشت شيئا كثيرا من حياتها لغيرها لا لها... لا بمعنى البذل والمشاركة والاهتمام والتعاطف والدعم فقط، بل بمعنى أقوى لكلمة تتردد كثيرا في البيان القرآني... هل قلت الرحمة؟

مقالات ذات صلة