أعكاو: هكذا عاشت قاعدة القنيطرة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني (الحلقة 1)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الخميس 30 أغسطس 2018, 13:51

رغم السنين التي مرت، وخروج من كُتب لهم عيش حياة جديدة عن صمتهم وأعادوا سرد قصصهم مع سنوات الموت وهم في ريعان شبابهم، إلا أن معاودة الحديث عن معتقل تزمامارت ما يزال يشد الانتباه والتعاطف، ليس فقط لأن تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من هذا المعتقل ماتزال مختبئة بين القصص التي رويت، وليس فقط لأن التاريخ أبى أن ينسى جانبه الأسود، بل أيضا لأن سؤال ماذا بعد تزمامارت يأبى كثيرون نسيانه، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو الذي كُتبت له عمر جديد بعد قضائه 19 سنة داخل المعتقل الرهيب.

 

أعكاو: هكذا عاشت قاعدة القنيطرة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني (الحلقة 1)

 

يحكي عبد الله أعكاو تفاصيل مثيرة من هذه التجارب قائلا: "كنت في الـ25 من عمري برتبة رقيب ميكانيكي متخصص في الذخيرة يوم استهداف الطائرة الملكية في 16 غشت 1972، كنت ضمن أول فوج التحق بالقاعدة الجوية الثالثة بالقنيطرة بعد إجرائنا دورات تكوينية في الولايات المتحدة وفرنسا. أتذكر أن المرحوم سكيبا (من بين الثمانية الذين توفوا خارج تزمامارت) قطع راحتي عندما أخبرني بأن عملا إضافيا يجب علينا إنجازه مادمت أحوز مفاتيح مكتب مهمته تسهيل تزويد المقاتلات بالذخيرة الجاهزة التي كنا نجلبها من مستودع رئيسي يبعد بحوالي 5 كلم، إلا أننا تفاجأنا بكون الملاز الطويل لم ينتظر وصولي فجلب الذخيرة من المستودع الرئيسي، والأكثر من هذا وجدت 6 طائرات حربية أقلعت، 3 منها كانت مزودة بـ150 خرطوشة لكل واحدة".

ما بقي عالقا في ذاكرتي، يضيف أعكاو، "حول ذلك اليوم أن عدد الذخائر التي زودت بها المقاتلات قبل إقلاعها غير الاعتيادي وصل إلى 6700 ذخيرة، وقد لمحت من بعيد جنودا يستلمون رشاشات (من نوع بيريطا)، لم يكن ذلك اعتياديا لكن لا أحد وجدته ليفسر لي ماذا يحصل"، مضيفا "بعد مرور وقت نزل سرب الطائرات الأولى التي أقلعت لكن منقوصة من واحدة اكتشفت في ما بعد أنها للكومندار كويرة رئيس القاعدة الذي أراد الارتطام بالطائرة الملكية عندما وقع عطب في رشاشات مقاتلته..

وأضاف "أتذكر أنه عندما ارتجل الملازم بوخاليف من طائرته أتاه ضابط ولمحت بوخاليف يلوح بيديه وهو في حالة هيجان آمرا الضابط بأن يتركه وشأنه قبل أن ينزع خوذته ويرميها أرضا وارتكن بعيدا يندب حاله. لقد غضب لأنه اكتشف متأخرا أن طائرته كانت مزودة بالسلاح، وفي نظري إذ رغم أنه كان أمهر القناصين لم يخبره المخططون للانقلاب لأنه كان كثير الكلام وبالتالي خشوا أن يشي بما دبّروا له، وهذه من بين الأخطاء التي أفشلت الانقلاب، بالإضافة إلى خطأ تزويد المقاتلات بخرطوشات شديدة الحساسية تنفجر بمجرد احتكاكها بأي جسم وبالتالي انفجرت خارج الطائرة الملكية"، مضيفا "لقد توالى إقلاع المقاتلات بعد فشل إسقاط طائرة الحسن الثاني، ليصبح الهدف هو تفجير القصر الملكي بالرباط ومطار سلا. شخصيا لم أكن أعلم ما يجري وما سر هذه الحركية قبل أن يقصدني زميل يعمل ميكانيكيا خاصا بالراديو يخبرني أنه اكتشف ما يحدث من وراء ظهورنا من خلال إذاعة إسبانية كانت أول من أعلنت خبر محاولة الانقلاب".

وتابع "قبل أن يطفئ الكوموندار الأمريكي نيومن النور على القاعدة كلها واضطرار آخر ست مقاتلات للنزول في الظلام، تراءت لي دبابات آتية من بعيد، علمت في ما بعد أن الكولونيل "لوباريز" قائد المظليين هو من كان يقودها، وذلك تنفيذا لما أمر به الجنرال أوفقير الذي خان أمقران في نظري وهذا خطأ آخر أفشل الانقلاب، إذ كان أمقران يريد أن يرسل أكبر عدد من المقاتلات بينما أوفقير أراد أقل عدد على أن ينتظر الطائرة الملكية في مطار سلا في حال فشلت محاولة إسقاطها. لذلك أمر أوفقير لوباريز، الذي كاد يلقى حتفه على يد ضباط في محاولة الانقلاب الأول، بقتل أي جندي في القاعدة وفي نظري كانت للوباريز فرصةْ للانتقام وصلت به حد تستيف الجنود (أغلبهم ميكانيكيي الطائرات وسلاحيين) الذين وجدهم في القاعدة على الأرض لطحنهم بالدبابات. لقد كنت حينها على بعد حوالي 200 متر عنهم لكن لم أعلم بما جرى إلا أثناء المحاكمة".

الحقيقة، يضيف أعكاو، "أنه كادت تحدث مجزرة لولا تدخل المفتش العام للقوات المسلحة الجنرال بنعبد السلام، فقد أخبر لوباريز بأن الضباط لم يكونوا على علم بمحاولة الانقلاب، لتتجه الدبابات صوب برج المراقبة ومكتب الطيارين، وطوقته ظنا أن أمقران يوجد هناك، لكن هذا الأخير كان قد استقل مروحية وغادر المكان نحو جبل طارق لما هاتفه أوفقير، لأنه لم يكن يثق فيه، وقد طلب اللجوء السياسي من بريطانيا"، مضيفا "وهنا أشير إلى أن أمقران كان على علاقة مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حيث كان قريبا من أيت قدور الذي كان مديرا لميناء القنيطرة وكان ينسق بين أمقران والاتحاديين وعلى رأسهم الفقيه البصري، وفي نظري الاتحاد هو من المدبرين للانقلاب مع العسكر لذلك أقول إنه لم يكن عسكريا، بل وطنيا".

في أثناء كل هذه الأحداث التي اكتشفت حقيقتها في ما بعد، يضيف أعكاو، بقيت جالسا لوحدي، بل وحيدا لأن القاعدة فرغت من جنودها، كنت أنتظر المرحوم "بيتي" الذي كان يعمل ميكانيكيا للسلاح ليمدني بذخيرة مقاتلة لم يتم استعمالها، وبينما كان بيتي منهمكا في عمله صوبت نحوه دبابة قذيفة طيرت أجزاءها في الجو ولحسن حظه لم يصبه أذى، فجأة وجدت أمامي الجنرال بنعبد السلام، الذي هدأ من فزعي قائلا لي إنه يعلم أننا نجهل ما خُطط له وأنه يريد أن يقابل المسؤول عنا، لكن لم أجد أحدا ليتواصل معه فما كان علي إلا أن أقصد غرفتي"، مضيفا "لا أذكر كم مضى من الوقت قبل أن يسود ضجيج وقع الأحذية في المكان وفجأة اقتحم جنود من المشاة غرفتي، وضع أحدهم فم بندقيته في بطني وأمرني بالمغادرة، ليتم وضعي رفقة حوالي 100 شخص ممن اعتقلوا في ثكنة المواصلات بالقنيطرة، ليبدأ مسار جديد من الأحداث، ستسوء مرحلة بعد أخرى".

 

مقالات ذات صلة