فكاك: الحقيقة الضائعة حول "الاعتقال الاستثنائي" الذي حظيت به في درب مولاي الشريف (الحلقة 17)

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الثلاثاء 14 أغسطس 2018, 13:50

كثيرون هم من يعرفون رشيد فكاك، فلا اختلاف في أنه فنان مسرحي وسينمائي متألق.. لكن ما قد يغيب عنهم أن ابن "قلعة الركادة" بالمعاريف (مزاب) بابن احمد سلك في بداياته مسار النضال التلاميذي (بين 1963و1965) منذ أن كان لا يتجاوز عمره 15 سنة، وانخرط في الحلقات الماركسية (من1967إلى 1969) قبل أن يرافق ابتداء من 1970 مخاضات تأسيس منظمة 23 مارس.. وهو ما سمح له بمعاشرة كبار المناضلين كمصطفى مسداد ومحمد المحجوبي ومحمد الحبيب الطالب ومحمد المريني وسيون أسيدون وأحمد حرزني والسمهري وإبراهيم ياسين وعبد القادر الشاوي وعلال الأزهر.. في هذه الحلقات يخوض معنا في التفاصيل، من العمل السري إلى الاستنطاق معه ولحظة المحاكمة وقبل ذلك في مراجعاته، وأيضا في أمور يقول إن الرفاق يجهلون.
 

فكاك: الحقيقة الضائعة حول "الاعتقال الاستثنائي" الذي حظيت به في درب مولاي الشريف (الحلقة 17)

 

في أواخر شهر مارس استُكملت الاستنطاقات التي بدأت في فبراير، وحررت المحاضر، وأتوا برشيد فكاك إلى مكتب اليوسفي قدور الذي اقترح عليه التعبير عن رأيه كتابة عن الملك الراحل الحسن الثاني. يقول عن هذه الفترة "تفاجأت بهذا الأمر وأخذت حيطة منه، فقال لي لديك كل الضمانات وما علي هو فقط أن أتجنب "السبان" لكن يمكنني أن أعبر بكل حرية عن تصوري لشخص الملك، وأكد لي أن الأمر لا علاقة له بما هو مدون في المحاضر".

 

لم يفكر فكاك في احتمال توريطه من خلال هذا الطلب لأن هذا في نظره له تفسير عملي سيكتشفه في ما بعد. وفي قاعة من المعتقل الرهيب دوّن فكاك ما طلب منه طيلة حوالي عشرين يوما، بشكل يومي عدا السبت والأحد، وكان يسلم لضابط شرطة ما خطته يده قصد طباعته. كان يسمح له بولوج دورة المياه دون أصفاد قبل عودته إلى القاعة التي أصبحت مكتبا له (يقولها متهكما على نفسه).

 

اعتبر الرفاق الذين كانوا يجهلون هذا الإجراء حينها حسب ما وصلهم من رفاق كانوا مكلفين بأعمال النظافة أنه امتياز يحظى به فكاك دون سواه. وقد استنتج فكاك هذا من خلال كتاب "الغرفة السوداء" الذي أشار فيه صاحبه أن رشيد فكاك كان يتفسح في دهاليز درب مولاي الشريف بدون قيود لأنه كان يحظى بمعاملة استثنائية نظرا لأنه "تاب". يقول فكاك "حقيقة ما جرى في هذه الفترة ستتجلى في ما بعد، والآن، لأن الرفاق كانوا جاهلين بما كان يحدث وخمنوا واستنتجوا فقط، فخارج المراحيض كنت أصفد وتوضع عصابة على عينيي كباقي المعتقلين من الرفاق"، مضيفا "ولأني كنت متأثرا بالمنهجية الماركسية في تحليلها للمجتمع، أجريت تحليلا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا للمجتمع المغربي في حقبة الملك الراحل، وقلت فيه إن الحسن الثاني تواجد كولي للعهد وكملك في فترة ما بعد الاستقلال حيث عرف فيها المجتمع المغربي تحولا جذريا، إذ سيمر من مجتمع زراعي عشائري إلى مجتمع تتطور فيه قطاعا الصناعة والخدمات إلى جانب القطاع الزراعي، وتتحول فيها الدولة من دولة تقليدية إلى دولة حديثة لها مؤسساتها.

 

وقد رافق هذا التحول، يضيف فكاك، "تغير اجتماعي يتمثل في ظهور طبقات جديدة، طبقة العمال والرأسماليين الكبار والمتوسطين والمثقفين وغيرها. هذا التحول الذي حصل كان في تعايش بين الدولة المخزنية السلطانية والإدارة الحديثة التي جلبها الاستعمار، وبالتالي لم يكن الحسن الثاني في موقع اختيار في خضم هذه السيرورة التي حدثت. كان من النتائج المباشرة لهذا التحول إنشاء والاعتماد على الجيش والأجهزة الأمنية التي بدورها تحولت من أجهزة أسسها المستعمر إلى أجهزة جديدة ساهم في تشكيلها الملك الراحل. في خضم هذه التحولات، وجد الحسن الثاني نفسه متواجها ومتواجدا في قلب المطالب التي أطلقتها الحركة الوطنية، والتي انضافت إلى التحول الموضوعي القاضي بالتحول الى مجتمع تجاري اقتصادي ليبرالي (اقتصاد السوق)، وبالتالي طرحت مسألة هل المؤسسة الملكية استبدادية أم دستورية برلمانية".

 

وأضاف فكاك "وبطبيعة الحال هذه التحولات العميقة الجذرية حدثت في ظرف وجيز قياسا على التحولات المجتمعية التي حدثت في القارة الأوروبية منذ قرون، بينما عندنا نحن لم تطرح بدايات هذه التحولات إلا خلال عشر أو خمسة عشرة سنة في ظل منظومات ثقافية وقيمية تقليدية، وأيضا سلفية لدى حزب الاستقلال، وقومية تقدمية بالنسبة للحركات التي كانت في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فضلا عن منظومات التصور الاشتراكي أو الشيوعي".

 

 

 

مقالات ذات صلة