حامي الدين.. من الإجرام ضد اليسار إلى الابتزاز ضد الملكية

  • الكاتب : أحمد نشاطي
  • الأربعاء 11 يوليو 2018, 10:04

يسعفنا القيادي الإخواني السابق عمرو عبد الحافظ، الذي يوجد حاليا في سجن الفيوم بمصر، في فهم الكثير من ميكانيزمات العقل الإخواني المنحرف والمتآمر.

عبد الحافظ، الذي ننشر، بإذنه، بعض مقالاته، وهي تندرج ضمن عملية مراجعة دؤوبة فكرية وسياسية للمرجعيات الإخوانية، يقوم حاليا بفضح حقيقة فكر الإخوان الظلامي التآمري، بدءا من قياداتهم المؤسسة، من حسن البنا وسيد قطب، وصولا إلى صغارهم التافهين الغارقين في التخلف والظلام، الموجودين معه داخل السجن أو خارجه في مصر، ممن نجد أمثالهم عندنا في المغرب مبثوثين هنا وهناك، من قبيل الظلامي عبد العلي حامي الدين...

عبد الحافظ خرج، خلال هذه المراجعات، بنتيجة جوهرية، وهي أن "قناعاتهم لا تسمح لهم بالتعامل الطبيعي مع المخالفين في الرأي (...)، فهم ينتظرون بفارغ الصبر لحظة التمكين لكي يسيطروا ويفرضوا رؤيتهم، وحتى تأتي هذه اللحظة، فإنهم يناورون ويظهرون تشاركيين، ليس لأنهم يؤمنون بالتشاركية، لكن لأنهم بعدُ غير متمكنين من السيطرة على مقاليد الأمور"...

النموذج الإخواني، الذي يقدمه عبد الحافظ في مراجعاته، يتجسد بامتياز في الظلامي حامي الدين، الذي خضع من قبل قادة حزبه السياسي وحركته الدعوية لعملية "تبييض" ممنهجة، لإخراجه من دائرة الاتهام، التي تشير إليه فيها الأصابع باعتباره ضالعا في جريمة قتل إرهابية ضد طالب يساري يخالفه الرأي، إذ أوجدوا له مكانا في القيادة، وأوجدوا له مقعدا في البرلمان، وأوجدوا له كرسيا للتدريس في الجامعة، وأوجدوا له موقعا قياديا في جمعية تافهة تتمظهر بالصفة الحقوقية، وكادوا يجدون له موقعا في الحكومة، في عملية استفزاز بئيسة، تغذي ردود فعل قد يكون لها ما لا يُحمد عقباها.

الظلامي حامي الدين، الذي يعتبر من "الخرفان" المفكرة، بصم على خروج إعلامي مدبر لتوجيه انتقادات سياسية للنظام الملكي، من خلال فيديو يرصد ردوده على مداخلة له خلال الندوة الوطنية الأولى للحوار الداخلي للبيجيدي، نُشر مساء أول أمس الاثنين، وتعطي أفكاره نموذجا فاقعا للابتزاز السياسي، الذي درج على ممارسته رئيس الحكومة المندحر عبد الإله بنكيران: مرة يلعبون بورقة الأمن والاستقرار، وهذه المرة يلعبون بورقة الملكية، التي اعتبرها حامي الدين "معيقة للتقدم وللتطور وللتنمية"، داعيا إلى "إصلاح النظام الملكي بالطرق السلمية عن طريق المفاوضات"، عبر "تفويض شعبي مع مركز السلطة"، أي مع الملك.

ليس المقصود، هنا، مناقشة هذا الطرح، الذي يتمظهر بجرأة مغشوشة، في إثارة طبيعة النظام الملكي، في وقت لم تعد الملكية من المقدسات ولا الطابوهات ولا المحرمات، بفعل مسيرة مريرة من نضال القوى الديمقراطية، التي قدمت تضحيات ضخمة بالدماء والحريات، وقوافل عشرات الشهداء ومئات المعتقلين والمنفيين، ليس لهؤلاء الظلاميين فيها ناقة ولا جمل، بقدر ما كان لديهم فيها يد ورجل إلى جانب أجهزة القمع، التي كانوا يأتمرون بأوامرها، وينفذون مخططاتها، بدءا من كبيرهم بنكيران، إلى صغيرهم حامي الدين، الذي لعب دروا محوريا في حرب السلطة ضد اليسار في الجامعة المغربية، وكان مجرد "سخار" في عملية اجتثاث اليسار، إذ حين لم ينفعهم لا منع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولا الزج بمناضليه في السجون، سلطوا عليه مجندين إسلامويين، يتقدمهم الخوانجية، للقيام بالمهمة، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب جرائم قتل إرهابية، مثلما فعلوا مع بنعيسى أيت الجيد في 1993 وقبله المعطي بوملي في 1991...

اليوم، أصبح واحد ظلامي، يداه ملطختان بدماء مناضلي اليسار، يفتح فمه، ويتحدث عن إصلاح النظام الملكي! كان الوضع سيبدو مقبولا، وأفقا لنقاش وطني، لو فعل ذلك من موقع إصلاحي حقيقي، أو من مرجعية سياسية واضحة، فيما منطلقاته، في الواقع، لا تخرج عن مجرد رسائل ابتزاز سياسي لفائدة رئيس حكومة مندحر.

الابتزاز الظلامي، المبطن برسائل التهديد، يظهر لدى حامي الدين في الدفع بأن "إصلاح النظام الملكي" يكون بـ"الطرق السلمية" عن طريق "المفاوضات"، وأن هذه العملية يجب أن يقوم بها البيجيديون، من خلال "تغيير" طبيعة النظام الملكي، فالمفاوضات، التي يقصدها لا تعني الأحزاب، وإنما البيجيدي، إذ إن "التفويض الشعبي أصبح يُمكّننا من التفاوض مع مركز السلطة"، أي وجود البيجيدي ندا لند مع الملك، والإشارة الواضحة، هنا، وهي وجود بنكيران بالذات، إذ إن "مراحل الانتقال تحتاج إلى شخصيات مثله"، أي "الشيخ بنكيران"، حسب تعبير "المريد حامي الدين"...

هنا بالذات، يظهر الفرق الجوهري في النظر إلى الملكية، بين الفكر الديمقراطي لليسار، والفكر الانقلابي للإخوان، فاليسار، الذي يطرح "الملكية البرلمانية"، مثلا، ينطلق من قناعة أن المؤسسة الملكية كانت في المغرب ومازالت أحد مقومات الكيان المغربي، وأنه طوال 13 قرنا التف المغاربة حول الملكية للدفاع عن وحدة الكيان، ولإشاعة روح التعايش والإخاء وسط السكان المغاربة بمختلف مشاربهم...

أما منطلقات الظلامي حامي الدين، فيتحكم فيها الفكر الانقلابي، وفي مجموع مكونات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وهذا ما رصده الإخواني السابق عمرو عبد الحافظ، من خلال دراسته لحالة مصر، إذ يقول إن "الإخوان يحاولون إيهام الناس بأنهم سلميون تماما، وأنهم لا يمارسون العنف مطلقا، رغم أنهم هم الذين أسسوا (حركة العقاب الثوري)، و(حركة حسم)، بعد الإطاحة بمرسي".

لا أعرف لماذا كلما ذُكر اسم حامي الدين، تحضرني على التو مشاهد الدم والغدر والظلام والإجرام...

مقالات ذات صلة