كتاب البراقش.. الحلقة 14: قبل السفر وبعده... (1/2)

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • السبت 16 يونيو 2018, 10:25

تأطير ثابت

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

قبل السفر وبعده... (1/2)

 

قال الأزهري على ما قرأتُ له في (تهذيب اللغة): وسمي المسافر مسافرا لكشفه قناع الكِنِّ (الوقاء والستر) عن وجهه، ومنازل الحَضَر عن مكانه، ومنزل الخَفْضِ عن نفسه وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمي السَّفرُ سفرا لأنه يُسْفِر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فَيُظْهِر ما كان خافيا منها. وجميع معاني الأزهري، باختلاف التعابير التي استعملها، مفادها أن السفر كشفٌ يراد به رفعُ الشيء عما يُواريه ويغطّيه. ووجدت في أقوال بعض الغربيين، رغم اختلاف الذهنية، ما يفيد ذلك أيضا على وجه التقريب، كقول أحدهم وهو مارك توين: لقد اكتشفت أنْ ليس هناك طريقة مضمونة لمعرفة حبي أو كراهيتي لشخص ما إلا بالسفر معه. ومعاني الأزهري هنا مؤكدة بالتلميح، أي أن سفرك مع الشخص هو الذي يكشف لك عن وجهه وأخلاقه. كما يمكن أن نجد في قول آخر، وهو لكاتب من كتاب فرنسا في القرن التاسع عشر، حين يصرح: لا نسافر لكي نغير مكانا بآخر، بل أفكارا بأخرى. ثم ربما كان الأطرف أن يقول بنجمان ديسرايلي: لقد رأيت، كما رأى كبار المسافرين، أشياء أكثر مما أتذكر، وأتذكر أشياء أكثر مما رأيت.

وللسفر في الثقافة الإسلامية، من بعض النواحي، بُعْد ديني غير مذكور في غيرها إلا على وجه جزئي وربما لا يُذكر البتة، كما أن تاريخ من قاموا به ودونوا رحلاتهم عنه مفيد ومشهور. فقد أوردته بعض الأحاديث النبوية مقرونا بثلاثة شروط ربما كانت من حاصل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الموجبة للسفر في البدايات الأولى لظهور الرسالة وما تلاها. فهو مكروه تقريبا للمسافر الأوحد، لأنه لا يكون في هذه الحالة إلا مع الشيطان، أما مناعته ففي ثلاثة حتى يكون موفقا، وعليه أن يكون على دعاء، فقد روي في حديث أن دعاء السفر مستجاب (كدعاء المظلوم ودعاء الوالدين...)، ثم إن على المسافر أن يعود من حيث انطلق حتى لا يتغرب عن أهله، خصوصا إذا بلغ مراده من سفره، كما جاء ذكر ذلك عند الإمام النّووي. ومعلوم أن هذه الشروط لم تتقرر نهائيا، فبقي السفر اختياريا قريبا من مزاج المسافر، لا يتقيد فيه إلا بما تمليه عليه مصالحه من السفر كالتجارة أو طلب العلم أو ما شابه ذلك... وفي كتب الجاحظ، كما في (ألف ليلة وليلة) وعند صاحب (نفح الطيب) حكايات كثيرة عن المسافرين الذين قطعوا الأمصار متحررين من كل التزام أو قيمة تبرره من الناحية الدينية.

والسفر، في رأيي، أن يتخذ المرء قرارا نهائيا، إذا لم يَشُبه تردد لسبب من الأسباب الداعية إلى الإلغاء أو التأجيل، بالتوجه إلى مكان ما بغية اكتشافه والتعرف عليه والإقامة فيه، ولو لوقت محدد في الزمن، قصد استيعاب موقعه، والتعرف على مواطنه، والاقتراب من أهله، والحصول على المعلومات الأساسية القمينة بتكوين صورة عنه. فيتحصل من ذلك كله، وخصوصا إذا كان مقصودا مطلوبا، تلك المعرفة الأساسية التي، مهما لابستها عيوب في التقدير والاعتبار، تصبح، بطبيعة الحال، "حصيلة" فيها الذكرى والموقف والتصور المشمول بالتقدير وأشياء أخرى... أو لنقل: فيها ما يتبقى لنا في الذاكرة من صور. أي أن السفر، بكلام آخر، هو ما نستذكره عن الرحلة التي كانت هدفا لتنقلنا، وعن الموطن الذي كان محطة لسفرنا. ومن هذه الناحية، فإن السفر يتجاوز، بكثير، مختلف المعارف المستقاة من المتون الرحلية التقليدية، الخاصة أو العامة، والتي غالبا ما ترتبط بالتقديرات الشخصية، أو بالأوهام والخيالات، التي قد تصبح جماعية. مثلما يتجاوز السفر، على هذا المستوى، أيضا، أحسن الدلائل السياحية، رغم أهميتها القصوى في التعريف والتوجيه، لأن هذه تُبنى في الغالب على موقف سياحي يفرضه سوق تداول الدليل كمنتوج إرشادي عام.

والمراد من كل هذا هو الوصول إلى القول: إن التجربة الشخصية في السفر هي التي تجعل من المسافر دليلا معرفيا وسياحيا... وإن كل رحلة أو سفر هو في حد ذاته أحد أهم أسباب الاكتشاف، وأبلغ ضرورات المعرفة، وأسلم الطرق المباشرة للتعرف كحاجة ذاتية تمليها الرغبة ويؤكدها الاستعاداد المعنوي والإمكان (التزود) المادي، الذي بدونه لا يكون السفر إلى أي ناحية... إذ الانتقال، لأنه الطريق أو viatge (الأصل الكاطلاني من الناحية الإيتمولوجية)، الذي سنقطعه لا محالة للوصول إلى هدف، يتطلب الرغبة والقدرة الذاتية والمال والمناسبة ومستلزمات أخرى لا غنى عنها لكل مسافر، وهي أمور لا تتحقق إلا إذا توفرت للمسافر تلك المصلحة الداعية (تجارة، سياحة، شؤون اجتماعية أو عائلية، دراسية أو مهنية وسواها).

مقالات ذات صلة