كتاب البراقش.. الحلقة 12: ذاكرة الشعر

  • الكاتب : كشك
  • الاثنين 11 يونيو 2018, 12:47

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

سيمثل صدور معظم ما نشرته غابرييلا ميسترال من كتابات في "الربرتوار الأمريكي"، في جزئين في أواخر عام 2011، خلاصة اهتمام ثقافي وأدبي وتوثيقي، تواصل لأزيد من عقدين من الزمن، لإعادة الاعتبار لشاعرة فذة أتتها جائزة نوبل مبكرا (1945)، لتزيد من غربتها المطلقة في ما كان قد تبقى من حياتها. وكان موتها بالولايات المتحدة الأمريكية (1957) هو الشعور الوحيد بـ"الترك" ذي الدلالات الرمزية، الذي، ربما، أرادت غابرييلا ميسترال، ولو بدون قصد ولا شعور على الأرجح، أن توحي به لغيرها، أدركوا مغزاه أم لم يدركوه، وهو نفسه الشعور الآخر، الذي بقي لقراء الشعر من الشيليين عن وفاتها... التي كادت أن تكون، بعد القدرية الحتمية، لعنة في وجه البلد الذي لم يكرم مقامها ولا قدر وجودها.

لكثير من الشيليين شعور واضح بأن البروز اللاحق لشاعر كبابلو نيرودا يعود، في جانب كبير منه، في ما يقولون، وَهُم، صدقا، لا يبخسون موهبته ولا يحطون من قيمة شعره، إلى انتسابه إلى (الحزب الشيوعي) في فترة مبكرة من حياته، وإلى المكانة النضالية البارزة، ولو في تبعية مطلقة لما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، التي كانت للحزب طوال مرحلة الحرب الباردة وقبلها أيضا، ثم إلى العلاقات الثقافية والإنسانية، التي نسجها الشاعر المبرز خلال مقامه الدبلوماسي في كثير من البلدان، وأساسا في إسبانيا (شعراء جيل 27) والمكسيك وفرنسا في النهاية... ومنهم من يقول إنه "سَوَّقَ" نفسه، وكان له أسلوب خاص وذكي وانتفاعي في ذلك، بطريقة جلبت له الكثير من الشهرة حتى أصبح من المحتم أن منحه جائزة نوبل صار واجبَ لياقة واعتبار قبل كل شيء... وهذا ما يفسر أيضا لماذا تَكرَّس الاهتمام "الرسمي" به، بعد موته، بطريقة تدعو إلى الاستغراب، بسبب المغالاة المقرفة والتمجيد الممقوت... وفي مطلق الأحيان على حساب طاقات إبداعية ورموز ثقافية أخرى لم يغمطها حقها من الذيوع والانتشار إلا طغيانه بالصفات المشار إليها، ومن تلك الطاقات، كما أرى بالمناسبة، غابرييلا ميسترال-المرأة. وأريد القول أيضا، وهو الانطباع الذي يتداوله العارفون بالطباع والأوضاع والسياقات الثقافية في المراحل السابقة، إن "الذهنية الذكورية" بالذات في شيء كثير من البخس، الذي لاقته في حياتها هذه الشاعرة، بسبب جنسها لا بسبب شعرها، أما الإهمال بعد مماتها، فأمر ملحوظ لم يرتفع إلا في السنوات الأخيرة... وكان لوصول امرأة أخرى إلى سدة الرئاسة (ميشيل باشليط، 2006)، في ما أتصور، الأثر الواضح... أما الإشارة البارزة، التي يوردها الأستاذ ولد الحاج، مترجم شعرها ومؤلف هذا الكتاب، في مقدمته، إلى وجود صورة هذه الشاعرة على ورقة مالية، فمسألة دالة بالإيحاء ومفهومة بالإشارة ومفيدة كذلك، لأنها من بنات عهد جديد تحولت فيه المقاربة النوعية إلى شرط... هذا مع الاعتبار بأن بابلو نيرودا نفسه، وكما عثرت على ذلك في بعض المراسلات القليلة (2)، التي تبادلها مع غابرييلا، كثيرا ما تودد إليها، لأنه كان يعرف قدرها، وفي أكثر من مناسبة توسل إليها باستعطاف مذل، بحكم انتسابهما إلى السلك الدبلوماسي، في سبيل الحصول على ترقية إدارية ترضي رغباته.

ولنقل في الأخير إن تحول "إرث" نيرودا إلى "مزار" سياحي، في أكثر من مكان بالشيلي، جعل ما يمكن تسميته بـ"ربوبيته" الشعرية "مقدسا" لا يقدس غيره، وجعلها خارج الشيلي، بالخصوص، علامة مسجلة لا يسمح بتقليدها ولا يمكن نسخها... للمنافع المقدر رَيْعُها!.

سيُذكر اسم غابرييلا ميسترال في هذا الاهتمام المتجدد، مع صدور كتاب "الفتاة الطريدة" المتضمن لرسائلها إلى دوريس دانا، صديقتها وعشيرتها الأمريكية، مقرونا بما لم يكن مذكورا ولا معروفا ولا مفكرا فيه ولا مقبولا في مرحلة ولا مؤكدا كذلك: نزوعها السحاقي في سن متقدمة من العمر، الذي التبس، في رسائلها إلى دانا، بالرفقة والعاطفة والحب والحماية والتعلم والتمرد والفن والشعر والأسفار والثقافة، "فوحد كل ذلك بين كائنين في علاقة معقدة وغير مفهومة في كثير من الأحيان من قبل (المستراليين)، الذين يخلطون بين الأخلاق والهشاشة...".

كانت غابرييلا امرأة في عقدها السادس عندما تعرفت على دوريس في 7 مايو 1946 في برنار كولج النيويوركي بصورة عابرة. ولم تقم المعرفة الحقيقية بينهما إلا بعد ذلك بسنتين اعتمادا على الرسائل المتبادلة بينهما، التي صارت، في بداية الوقت، مضربا للمودة، ثم أصبحت مربطا للتقارب وللحب. أما دوريس، فلم تكن قد تجاوزت عقدها الثالث، ذات محتد أرستقراطي نيويوركي لا يعلى عليه، سليلة أسرة ثرية مذكورة، فكان تعلقها بالأستاذة، مع فارق السن من ناحية، والتجاوب العاطفي المؤكد من ناحية ثانية، رمزا قويا ومألوفا للتعلق اللدني بالأمومة أو بالأبوة لا فرق على الأرجح. ولا أذكر هذا إلا للقول إن غبرييلا مسترال وجدت في هذه العلاقة سندا قويا وملاذا للسنوات الأخيرة من أيامها في المهجر، إلى درجة أنها كانت ترى حياتها بدونها "بُخَار سحابة" (وبناتُ بَخْرٍ: سحائبٌ بيضٌ رِقاقٌ) كما قالت قرب وفاتها بقليل عام 1957.

أربط بين رمزية "الترك" المذكور في البداية كربيب للفقد، وبين السند القائم على التعلق في مرحلة ذابلة من العمر، لكي أخلص إلى نتيجة مؤكدة ذكرها غيري أقول فيها: إن "إحياء" هذه الشاعرة، جزءا وكُلاّ، يمكن أن يرى أيضا كشكل من أشكال عودة الوعي الشعري، ولو من الخارج، إلى مجاله الثقافي ذي السياق المتعدد والمختلف بدون حيف ولا نكران. فقد صار الآن من الطبيعي، مع الإقرار بجميع الاختلافات الممكنة، أدبية وشعرية، أن تُذكر غابرييلا إلى جانب نيرودا إلى جانب الغائب الآخر ويدوبرو، وعمر لارا، وغونصالو روخاص، ودليا دومنغيس، وخوسي أنخل كويباس، ونيكانون بارا، وراوول سوريتا... دون حرج ثقافي محتمل.

وهذا الكتاب الذي بين يديك، وقد تكبد فيه الباحث المترجم مشاق بحثه وترجمته، هو في جانب كبير منه، بالإضافة إلى الاكتشاف الذي يحققه للقارئ العربي، محاولة جادة للتعريف بالشاعرة، وتقريب شعرها إلى قراء العربية، والاعتراف الضمني، من زاوية الاهتمام المغربي، بوجودها المؤثر في السياق الثقافي وذاكرته السلالية.

 

مقالات ذات صلة