كتاب البراقش.. الحلقة 11: الهجرة والعنصرية

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • السبت 9 يونيو 2018, 11:09

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

 

يُعْرَفُ البيروانيون في العاصمة (سنتياغو) بدون دليل أجْنَاسي خاص: فمن سحناتهم الذابلة، في أكثر الحالات، تقطر المذلة، وعليها يستكين الرضا بالمكروه، ثم إن في قِصَرِ قامتهم، كما يعتقد الظَّلَمة من التشيلانيين، دلالة واضحة على فقرهم، لم يرتفعوا عن الأرض، كما يدّعون، إلا قليلا بسبب انحنائهم الدائم في طلب الرزق، وأما في تَكَوُّر بطون نسائهم، فقد قيل إن المرأة الواحدة منهن تأكل من (البطاطس) ما يغنيها عن باقي المأكولات الأخرى، فلا تترهل، وإنما تسمن بدون إدَامٍ. وعموما فقد اكتملت أشكالهم، فيما يعتقد بعض التشيليين، على ما هم عليه من فَقْر وَمَكْر وَذِلَّةِ مِلَّة.

ولو نزلتَ إلى وسط سنتياغو حيث يتهالكون يوم الآحاد لوجدتَ منهم المئات، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، كأنهم تواعدوا، باتفاق نقابي مدروس، في (ساحة السلاح)، للتعبير عن نقمتهم من بَلَد يَنْزِل بهم، يوميا، أشدَّ أنواع المعاملة العنصرية الحاطة من قدرهم وقدراتهم. وهل لأنهم أصبحوا في التشيلي لِحَاجة اقتصادية يجبُ أن يقبلوا وأن يقابلوا السباب بالتحية والأهانة بالشكر؟

وما زال المواطن التشيلاني في أيام الديمقراطية هذه يعتبر المهاجر البيرواني، بدون خجل، شاطرا، وهذا مُفِيدٌ على كل حال، وسارقا ومحتالا، وهذا مذمومٌ بالطبع، فيما يَعْتَبر البيروانيات باغيات بالجملة، والأطفال أشرارا بالتقسيط. ومحلاتهم الدَّامسة إلى جوار الكتدرائية تُنبئ عن أحوالهم: منها يهاتفون أهاليهم بجميع الأصوات واللغات، وفيها يتناولون تلك السندويشات التي تتراكب فوقها طِبَاقا مُقَبِّلات لَزِجة وبهارات ملونة، كما يجعلها البعض منهم مكانَ عبادة وصلوات يائسة يناجي بها ربه البعيد. ويبدو المنظر يوم الآحاد، في تكراره وفوضويته، كأنه قيامةُ "شعبٍ أصلي" يبحث عن هوية. وفي لحظة وجيزة يصبح الأحد، في (ساحة السلاح) بقلب سنتياغو، الوطن القومي العاري للمهاجر البيرواني.

والمصيبة العظمى أن هذه الوضعية المقلوبة والفلكلورية لا تثير أحدا في التشيلي، لأنهم يرون فيها أوضاعهم المستوية والمنظمة. ومن الحيرة أيضا أنها لا تغضب ديمقراطية هذا البلد الذي باعه حكامه، فيما يبدو، لتجار التقارير الدولية المحبوكة المادحة، عند الضرورة، لـ"لتطور المعاصر" و"النموذج الاقتصادي الفريد" و"المثال التنموي البارز" وهلم جرا. هذا مع العلم أن المواطن التشيلاني كَارِهٌ، بنظرته الاستعلائية، للبيرواني لا يحمل فيه شَعْرَة مهما رَقّت، ولا يقيم له أي وزن مهما كَبُر أو زاد. طبعا إننا نعرف أن المواطن التشيلاني يتذرع بأن (حرب الباسفيك 1883-1879)، التي انتَصَرَ فيها وتَوَسَّعَ وَتَجَبَّر، أقامت حدودا جديدة على الخريطة التي اقتطعوها من البيرو، بل ويعتبرون تلك الحرب أعدلَ حرب خيضت في أيامهم، لأنهم غنموا من جنوب البيرو مَا لَمْ يكن لهم طوال قرون تحت الاحتلال الإسباني. وهكذا يبدو جليا كيف أن انقلاب التاريخ الماكر على الجيران أصبح في نظر التشيلاني أيسر طريق لاستعباد مهاجريهم في الجغرافيته الملفقة، بل إن هذا التشيلاني يشعر بنوع من الانتقام المجاني إزاءهم وقد جاءوا طوعا للاستقرار المؤقت فيها... هذا بالإضافة إلى أنه جعل من العنصرية الكريهة حَبَّةَ طغيانٍ يتناولها بدون ماء كلما أحس بضرورة التباهي أمام حفدة الأسياد المهزومين في هجرتهم.

في أساس الهجرة إلى التشيلي فرصُ عملٍ أوجدها ارتفاعُ ثمن النحاس في السوق العالمية. انفتح البلد ببركات الديكتاتورية الملطخة بالدماء، وزاده تجار الانتقال الديمقراطي انفتاحا بالوصولية. ولما كان البلد كله مقدرا للتصدير من أيام بينوتشي، من الخضر والفواكه إلى الأنبذة المُسكرة وسمك السلمون المُرَبى، مرورا بالادعاء والتباهي، نعم بالادعاء والتباهي، فإنه قد فتح الباب أمام جيرانه مُغْريا إياهم بالانتفاعية السهلة، فقدموا زرافات ووحدانا طردا، في الواقع، مع انهيار اقتصادهم وَقَلَقِ حكامهم وفوضى أيامهم. وهنا بدأت المفارقة المُكَرَّسة بالهجرة: حين شرع البيروانيون في العمل استعبدوهم، وحين أنتجوا أفقروهم، وحين دافعوا عن كرامتهم سلطوا عليهم نوعا من الديمقراطية المُهينة لتقول لهم: أنتم عَبَدَةُ الهجرة لأنكم متخلفون. ومن المعروف هنا أن الاسم الحركي لِنِصْف مليون بيرواني مُسْتَخْلَصٌ، بكل تأكيد، من قِصَر قامتهم واستدارة وجوههم وَشِدَّة فقرهم وانهيارهم الإنساني.

والمشكلة الحقيقية للمهاجرين البيروانيين في التشيلي أنهم إذا انتفضوا تعرضوا للطرد والخسران، وإذا صرخوا حَرَّضُوا ضدهم ذلك العدد الهائل من الكلاب الضَّالة، التي لا تُحِبُّ الصراخ وتضجر من الفوضى... ولعلها تسخر منهم أيضا. وهكذا أصبحت القاعدة الواجب اتباعها، درءا للعنصرية، هي السكوت المصحوب بالطاعة، لأن آخر حقير تشيلاني قد يقول لك بالأدب العنصري الجم: نحن المثال وأنتم الظل، فإما أن نَمْشي فوق ظلكم، وإما أن تَمْشُوا إلى حال سبيلكم. ومن الناحية الأخرى فإن البيرواني يعرف في قرارة نفسه أن التاريخَ مَاكِرٌ، لأنه حين انقلب عليه أعطى الامتياز الجغرافي لجاره... فانقلبت الأدوار والمواقف واتسعت النظرات وشَرِهَت الحالات... إلى أن غزت الأسواق في التشيلي ماركة عنصرية واحدة مسجلة في دفتر الاستعباد الديمقراطي كإنتاج وطني صرف تسمى: العدوانية، لا تباعُ بل تُسَلَّمُ للأغْيار الباحثين عن العمل عندما تستقبلهم الحدود في (أريكا) بأحضانٍ غادرة.

ولو كنت بيروانيا لَصَرَخْت في كل حقير تشيلاني أصادفه بصوت حاد: إيه يا هذا، ابحث لنفسك أولا وقبل كل شيء عن هوية حقيقية، واتَّعِظْ أيها المأفون بهذا: اللَّقْطُ لا يُغْنِي عن الإنتاج، والهِجْرَةُ ليست قَذَارَة.

 

مقالات ذات صلة