كتاب البراقش.. الحلقة 10: حياة وموت ماريا ل. بونبال

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الجمعة 8 يونيو 2018, 11:51

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

(فيرجينا وولف) كانت سباقة، في ما يبدو، إلى إثارة تلك العوامل (النوعية) والثقافية، التي تمنع المرأة من أن تتحول إلى كاتبة. وهي التي قالت: لو كانت شقيقة شكسبير تملك نفس مواهبه الإبداعية والأدبية لما تمكنت من الذهاب إلى لندن والمساهمة في فرقة للمسرح، لأنه كان يمنع على المرأة، في تلك الفترة، أن تكون ممثلة، ولأن الرجال المتحولين إلى نساء هم الذين كانوا يقومون بتلك الأدوار النسائية.

... إلى أن جاءت التشيلانية ماريا لويسا بونبال، التي، في ما حكى مانويل ب. مونيوث، أنه ذهب لمقابلتها قصد إجراء حوار صحفي معها، وبعد أن نزلت إليه حيث كان ينتظر مقدمها، بادرته بالقول: من فضلك يا (جاجو) لا تطرح علي الأسئلة الصعبة، فأنا لا أفقه شيئا في أساليب التحليل العصرية!!

 

حكت له، أيضا، أنها دُعيت مرة لإلقاء محاضرة حول تجربتها الأدبية في مدينة (فالبراييسو)، بعد أن كانت شهرة روايتها الأولى (الضبابة الأخيرة) قد طبقت الآفاق، وبمجرد ما انتهت من عرضها حتى قام أحد الأساتذة، وسط القاعة الغاصة، وفي نيته طرح سؤال مهم لعلها تجيبه عنه. وعندما أذنت له، سألها: سيدتي، لقد قرأت روايتك (الضبابة الأخيرة)، وهي رواية ممتعة، غير أنني لم أفهم، مع ذلك، أين اختفت القبعة المصنوعة من التبن التي كانت على رأس البطلة؟.

لم تندهش بونبال، ولم يبد عليها أي استغراب، بل وظهر عليها أنها كانت تتوقعه، وعموما فقد كانت على مزاج رائق، فأجابته: أتسالني أين اختفت القبعة؟ هه، لماذا لا تذهب أنت، من فضلك، للبحث عنها!! هكذا، بطريقة مباشرة، صفق لها الجمهور، وغضب منها الأستاذ السائل.

وكان نيرودا، على شغفه بالنساء وولعه بالتقرب إليهن، يقول عنها: إنها المرأة الوحيدة التي يمكن الحديث إليها بجدية عن الأدب. وقيل عنها في علاقة بروايتها المذكورة: إنها أول كاتبة من أمريكا اللاتينية تكتب ما ظل مسكوتا عنه إلى اليوم، أي جنس المرأة من منظور (نسائي).

ومع أن أعمالها الأدبية كانت متداولة وفي طبعات، إلا أنها لم تكن معروفة بالقدر الكافي للجمهور الواسع، خصوصا وأن الشهرة، في تلك الأيام، كانت ترتبط بالوسط الثقافي نفسه من حيث التزكية، ولا تأتي من طبيعة الأعمال الأدبية المنشورة. وبما أنها عاشت طوال مرحلة خارج الشيلي، بين باريس ونيويوىك وبوينوس أيرس، إلى ما كان في طبعها من مظاهر تثير الاستغراب، فإن كثيرا من الناس، ومن المهتمين أنفسهم، لم يكونوا على علم بمكان وجودها منذ أن عادت من باريس في أبريل من سنة 1931. وزاد في ذلك أن استقرارها في الأرجنتين وارتباطها بالوسط الثقافي في عاصمتها جعلها تبدو للكثيرين غريبة اليد واللسان.

ويحكي مانويل مونيوث أنها كانت معجبة ببعض قصصه، وتساعده على تجويد أبداعه منها. ولم تكن تتوقف، من جانبها، عن سرد حكاياتها عن معارفها من المثقفين الذين ارتبطوا بها وارتبطت بهم: لوركا أيام أن كان في الأرجنتين خلال عام 1933 لعرض مسرحيته الشهيرة (أعراس الدم). عاشت مع بابلو نيرودا في بيته إلى جانب زوجته الأولى ماريا أنطونييتا هاجينار، بحيث كانت، كما تروي، تجلس في ناحية من المطبخ حيث الضوء لتكتب روايتها (الضبابة الأخيرة)، بينما كان نيرودا في ناحية أخرى من المطبخ ينهي كتابة قصائد ديوانه (الإقامة فوق الأرض). صديقها الكبير لويس بورخيص الذي كان يصحبها إلى السينما ويدعوها إلى بيت أمه. زواجها عام 1935 من الرسام الأرجنتيني خورخي لاركو... غير أنها كانت ترى في كل ذلك صداقات وارتباطات لا غير، لأن تصورها عن الحب كان يجعلها تقول بكل أسف: لم أكن محظوظة في الحب أبدا، وعندما أحب كنت أخسر صديقا عزيزا بالتأكيد معوضة إياه بالتراجيديا. ومن أخطر ما عرض لحياتها أن حاولت قتل أحد أزواجها بحكم الجفاء والتنكر اللذين عانتهما منه. ففي يوم 27 يناير 1941، شوهدت بومبال قلقة تمشي في وسط سنتياغو لا تستقر على حال، فإذا بها تخطو سريعا نحو مبنى (شيلا ريجيس) لعلمها بأنها عشيقة ذلك الزوج. ومن المصادفة الغريبة أن إيلوخيو سانشيث، الزوج نفسه، هو الذي كان يغادر المبنى خارجا لا يلوي على شيء في تلك الأثناء. نادته فلم يسمع أو لم يرد، ثم اقتربت منه لتتأكد من شخصه، "وعندما ناديته باسمه مرة أخرى استدار نحوي لمعرفة المنادي. رأيت وجهه وتأكدت منه... فأطلقت عليه النار من مسدسي...".

تقول بومبال إن ضربه بالنار لم يكن إلا لتلقينه درسا لا يمكن نسيانه، "خصوصا وأنني كامرأة لم أكن قادرة على ضربه بيدي"!.

خرجت من السجن في الرابع من أبريل من نفس السنة، ثم أودعت في مصحة (سانتا مريا) حيث مات نيرودا نفسه، بعد هذه الواقعة، بأزيد من ثلاثة عقود من الزمن. ومع ذلك تلقتْ أرفع وسام أدبي محلي عن روايتها (الدفينة). ثم هاجرت إلى نيويورك.

عندما توفيت في السادس من أبريل 1980، لم تكن تعلم أن ترجمة روايتها (الضبابة الأخيرة) إلى الإنجليزية قد نشرت في إيسلاندا الجديدة وطبعت ست طبعات. أما أعمالها الكاملة، فبعد أن نشرت مجموعة في ست طبعات من قبل، أعيد نشرها في طبعة فاخرة بمناسبة مرور مائتي سنة على استقلال الشيلي سنة 2010.

يقول مانويل مونيوث إنها لمَّا مرضت مرضا شديدا، قبل موتها بقليل، قالت لمحبيها: أن تكون مريضا معناه أنك عبثا تعيش. بينما يرى هو أن كُتُبَها التي خلَّدت ذِكْرَها وأدبها لم تكن عبثا.

ولعله على حق في هذا القول لأنه يعطي الاعتبار لما قالته فيرجينا وولف قبل ذلك بسبعة عقود من الزمن.

 

مقالات ذات صلة