كتاب البراقش.. الحلقة 9: الفلسطيني، أو هوية التيه

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الخميس 7 يونيو 2018, 10:41

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

 لم يذهب الفلسطيني منذ العصر الحديث إلا إلى التيه، مرغما هذا بالتأكيد، وأما عن طيب خاطر فلملاقاة الهجرة... فالسِّيَر التي كتبها للتعبير عن الألم والفقدان والاقتلاع كثيرة تطفح بالمعاناة وتشرح المسافات وتقول الذكريات. وبعد قرن من الزمن وتاريخ من الانصهار وانطفاء ذاكرة... لم يبق له اليوم إلا النوسطالجيا التي في معناها الأسف.

الأولون الذين وصلوا هاربين إلى التشيلي كانوا من مسيحيي بلْدتيْن متجاورتين، لا غير، هما: بيت جلا وبيت ساحور. وإلى اليوم، بعد أن استوطنوا وفرخوا وقتلوا فيهم كل شيء، بما في ذلك اللغة التي ساعدتهم على الوجود، فإنك لن تجد إلا من يقول: أنا من بيت جلا، وأنا الآخر من بيت ساحور... وقلة منهم تضيف أنَّ (بيت لحم) كان في الجوار، ولكن أهله لم يعرفوا طريقا إلى الهجرة... أو لم تعرف الدوافع السياسية أو الاجتماعية أو النفسية إلى قلوبهم طريقا لتهجيرهم عنوة خارج الوطن المقدس. لقد بقوا إلى جوار المسيح، أو في مهده، حتى لا يصلب مرة ثانية على أيدي الغزاة. يقولون ذلك ولا سبيل إلى التحقق منه!.

والمشكلة التي وقع فيها الفلسطينيون الذين هاجروا إلى التشيلي أنهم جاءوا بجوازات سفر تركية، كما هربوا من عنف المحرقة العثمانية، فوجودوا شيئا من العنصرية وكثيرا من الجهل في استقبالهم على الأبواب.... هذا في الوقت الذي كانت دولة التشيلي، من شدة مفارقاتها، تستقبل من هب ودب من الألمانيين والكوارتيين والإيطاليين واليونانيين وسواهم، ناهيك عن الإسبانيين الذين غزوا البلد وتواجهوا مع شعوبه الأصلية المُحقَّرة منذ القرن الخامس عشر. التشيلي بلد لا ملة لأهله ولا لَهُ كذلك!!.

يقولون لك إننا لم نكن لنستقر هنا لو لم نمتهن التجارة الصغيرة... التي سارت بهم في البوادي والمدن، وآخت بين فقرهم والحاجة، ومنهم من وجد في البيع والشراء زوجة سكن إليها، فبدأ التمازج يأخذ طريقه إلى القلوب عن طريق البطون بطبيعة الحال... حتى صار منهم تجار كبار، ثم أصحاب مصانع ، فرأسماليون جندوا التشيلانيين لخدمتهم وتنمية رأسمالهم عندما انقلبت الآية أو قلبوها على محتقريهم... إلى أن كان منهم السياسيون والأدباء، ولهم الآن، بعد قرن من الاغتراب، نواب في البرلمان وسفراء في البلدان ووزراء في الحكومة... وفريق كُرَوي!. ألا ترى كيف يمكن أن تتحول الهجرة عن (البيوت) الأصلية إلى أوطان من النعمة... وهو ما يثبت أن الهوية خرافة!.

لم يندمج الفلسطينيون في المجتمع فقط، بل ذابوا فيه، وربما كانت الحكمة التي تمنطقوا بها، منذ البداية، هي الصبر على الظلم الشيلي كما صبروا على الظلم التركي، والذهاب إلى قلوب النساء من باب معرفة حاجتهن إلى الحنان، والتخلي الطوعي عن الانتماء إلى المستحيل، أعني إلى فلسطين... التي أدركوا، في ما بعد، أن احتلالها من قبل الصهيونيين قد لا تكون له نهاية متوقعة... وليس من المهم أن يكونوا على حق!!

وحصل في السنوات الأخيرة أن عاد قوم منهم إلى (البيوت) الأصلية التي بقيت هنالك كآثار دارسة إلى جانب المستوطنات، فلم يجدوا، في ما قالوا، إلا الخراب المعنوي. ولذلك ارتضى عدد منهم، بل ولربما كلهم،أن يحيوا على الأسف، وأن يتزودوا بالذكريات وهم في بيوت آمنة بسنتياغو أو غيرها من المدن، لا تشغلهم (فتح) ولا (حماس) ولا احتلال ولا توسع أو مستوطنات، ولا ذلك السم الخبيث الذي أودى بحياة ياسر عرفات... على ذمة من قال بذلك!.

التاريخ الحديث الماكر يقول: إن الفلسطينيين لم يهجروا من البيوت الأصلية، بصرف النظر عن البواعث والدواعي، إلا لكي يستقروا في الماضي العابق بالنوسطالجيا والذكريات الأسيفة والولاء الموهوم لتراب عفره المحتل تعفيرا. أما ما الذي بقي للَّذين ما زالوا على قيد الحياة، فقد يكون، بالضبط، هو ذلك التعلق الأسطوري بالغيب المسيحي والصمت البليغ الذي يلف هويتهم المتلاشية.

ما المشكلة إذن؟

فالفلسطيني المهاجر في تيهه الأسطوري أبدا سُمي، في بداية مَقْدَمِه إلى التشيلي، بِالتركي!!!.

مقالات ذات صلة