الساكتون في ملف بوعشرين

  • الكاتب : عزيز إدمين
  • الأربعاء 6 يونيو 2018, 11:33

مازالت تداعيات محاكمة توفيق بوعشرين أمام القضاء، بتهم تتعلق بالاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي على بعض العاملات في مؤسسته الإعلامية، تعرف الكثير من الشد والجذب، فبعد صدور بلاغ عن جمعية هيئات المحاميين بالمغرب، وبلاغ ثان عن هيئة المحاميين بالدارالبيضاء، يقوّم اعوجاج بعض المحاميين من الطرفين، على إثر تصريحاتهم التي مست بكل مقومات أخلاقيات مهنة المحاماة وحقوق الانسان، وقواعد المحاكمة العادلة، فالمحكمة استمرت في إحضار الشهود والمصرحات بالقوة الى جلسات المحاكمة.

كما أن مجموعة من المناصرين والمتضامين مع توفيق بوعشرين، مستمرين في الدفاع عن براءته وفك خيوط "المؤامرة"، حسب زعمهم، والتي حيكت ضد مالك جريدة "أخبار اليوم".

في هذ الملف، الكل أدلى بدلوه، المتهم، وعائلته، محامو الطرفين، الضحايا المفترضات، الهيئات الحقوقية والنسائية، وحتى بعض الأحزاب السياسية بشكل ضمني وغير صريح عبر ممثليهم في البرلمان أو أعضاء مكاتبهم السياسية، باستثناء جهة واحدة لها من الشرعية والمشروعية، الشيء الكثير بأن تعبر هي الأخرى عما يختلج بدواخلها لم تتحدث: إنها أسر الضحايا.

فالضحايا المفترضات لا يعشن في عوالم معزولة عن المجتمع، ولسن بنسوة سقطن من السماء، أو مقطوعات من الشجر، بل ينتمين إلى أسر وعائلات، فيها الأم والأب والأخ والأخت والزوج... وما مسهن من قبل ويمسهن اليوم من تجريح واحتقار، يمس أيضا أفراد هذه الأسر.

في وضع متخيل، تطرح الأسئلة التالية: كيف يذهب أب فلانة إلى المسجد أو السوق، وماذا يقول لأصدقائه؟ وكيف تلج الأم والأخت الحمام الشعبي، وكيف تلاقي الجيران؟ والأخ بمَ يبرر ما وقع لأخته التي أصبحت صورها في جميع وسائل الإعلام، ومنها الصور المفبركة والصورة الشخصية؟

إننا اليوم، وأمام تناسل الهيئات الداعمة للطرفين، فنحن في حاجة أيضا لسماع صوت أسر الضحايا أيضا، لعدة أسباب:

إن العائلة هي أكثر مصداقية من كل الجهات الأخرى، فالضحية تربت بين كنفها، ومن شأن صوتهم أن يكسر عزلة الضحايا.

إن الانتهاكات التي تعرضت لها الضحايا سواء من قبل المتهم حسب زعمهن أو من قبل بعض وسائل الإعلام والمحامين، هي انتهاكات ممتدة، فلا تقف عند الضحية بل تمتد إلى اسرتها.

إن كانت عائلة بوعشرين راسلت المجلس الوطني لحقوق الإنسان، للاطمئنان على وضعية النزيل بسجن عكاشة، وهو حق مشروع لها، ولها من الحق تسخير كل الإمكانيات والوسائل المشروعة والقانونية للدفاع عن ابنها، فمن حق أيضا أسر الضحايا أن تراسل كل الجهات للاطمئنان على سير المحاكمة العادلة، والتي بها يمكن أن تنصف بناتها هي أيضا. كما لها الحق أن تتابع كل من سولت له نفس المس بذمة أو شرف ابنتها.

للأسر أن تتشبت بقوة بسرية الجلسات، لأنها تصون كرامة ابنتها وكرامة العائلة، فمن غير المقبول، ونزولا فقط عند رغبة بعض "تجار الملفات القضائية"، ضرب بعرض الحائط معيار حقوقي دولي يكمن في إغلاق الجلسات العمومية في وجه العموم في قضايا الاعتداء الجنسية.

الاسر تكتوي أيضا بنار المتابعة، وتنتظر في أي وقت أن ينتهي هذا الكابوس، دون أن ننسى أن من الأمهات من هن في فراش المرض، والأب في المهجر... وتحولت جلسات المحاكمة إلى "رهاب" يومي لديها، خوفا من خروج تصريح من هنا أو هناك تصف عورات بناتها.

لقد تحولت قضية توفيق بوعشرين، إلى فضاء موسع تتجاذب فيه عدة أطراف، ومن الطرفين معا، بخلفيات مختلفة، أطراف حكومية وهو ما نشرته أحد المواقع الاليكترونية، بكون وزير في الحكومة الحالية عبر عن رفضه لمخاصمة القضاء في نازلة إحدى المصرحات التي فرضت متابعة توفيق بوعشرين بل وأكثر من ذلك قدم "النصح" بإبعاد احد المحاميين، أطراف حزبية من داخل الأغلبية الحكومية، مستغلة موقعها البرلماني أو عضويتها في القيادة الوطنية للحزب، وأيضا بعض المحامون الذين همهم أضواء الكاميرات و"البوز" على حساب كرامة الطرفين وعدالة القضية ككل، ومواقع إعلامية وصحفية أيضا التي اتخذت من القضية مادة للسخرية أو تصفية لحسابات سابقة أو حالية...

أمام هذا اللغط لم يعد للمتتبع سوى أن يستمع إلى أربعة أطراف فقط، الضحايا، وعائلاتها، المتهم وعائلاته.

إن العبث الذي وصلت إليه المتابعة القضائية بلغ مداه، وأصبح الكل يشكك في الكل، والكل يخوّن الكل، والكل يدافع عن حقوق الانسان، وفي نفس الوقت الكل ينتهك حقوق الانسان.

مقالات ذات صلة