كتاب البراقش.. الجلقة 8: لينين، الرجل الطيب!

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • السبت 2 يونيو 2018, 11:10

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها.

ثلاثة مواقف متباينة ومتداخلة أعرضها هكذا:

1-ميخييل كوتوزوف (1745/1813)، جنرال روسي عمل في ظل ثلاثة قياصرة، وكان أحد أبرز القادة العسكريين الروس، حتى إن السوفيات خلدوا ذكره بتمثال واقعة شهيرة بوصفه أحد أبطال معركة بورودينو، الذين ساهموا في دحر الاجتياح النابليوني لروسيا.

2-وبعد سبع وخمسين سنة، ازداد لينين (1870)، الذي قاد ثورة عظيمة أطاحت بالنظام القديم، وحنطت شخصه في أهم متحف يتقاطر عليه الناس إلى يومنا هذا بدون توقف منذ أزيد من ثمانية عقود من الزمن، بعد أن مات بجلطة دماغية أودت بحياته تماما عام 1924.

3-وقيل عن كتاب مُعَيَّن: "إنه يحطم عشر سنوات من الدعاية، البروباغندا، السوفياتية في أربعمائة صفحة ملتهبة"، وما ذلك إلا لأن صاحبه كورزيو مالابارطي (ت 1957) ذكر فيه أن لينين جاء إلى موسكو في شتاء 1893 لحضور اجتماع سري خطب فيه نورونتروف أحد أشهر الشعبويين المرموقين في ذلك الوقت. ولما قاطعه لينين، رد عليه هذا: يسعدني أن أسلم بأنك ابن كارل ماركس، ولكنني لا أريد أن أقتنع بأنك الابن الوحيد. والغريب في الأمر أن لينين عندما روى هذه الواقعة لـ(زاتوليش)، فيما بعد، زاد فيها أن نورونتروف، الشعبوي إياه، كشف له، لأول مرة، عن اختياره المصيري، أي أن يصبح ابن ماركس الوحيد، وكان يضيف إلى ذلك مازحا: هذا ما يمكن تسميته بالفكرة الواضحة!!.

فلاديمير لينين يتوسط ليو تروتسكي وجوزيف ستالين

كان لينين يقول لـ(شيلكوموف): علينا أن نخلق أداة كفاحية لا تطيعنا إلا نحن، فتكون تحت إمرتنا نحن فقط، أي أننا في حاجة إلى خُلَّصٍ. ويقول مالابارطي إن كلمة الخلص أو الأصفياء لم تكن تعني بالنسبة للينين إلا أولئك الخاضعين لإرادته هو فقط. وهذا هو المعنى الذي أعطاه (كرومويل) للطهراني، وهو المعنى الذي أسبغه روبسبيير على اليعقوبي (جاكوبان). ومع هذا فقد كان لينين يقول عن نفسه: "أنا لست ذلك الشخص الذي ينعتونه بالرجل العملي"، وخصوصا عندما دعاه ونصحه (شولغونوف) بالانخراط أكثر في النضالات العمالية، وهو الذي كان يرفض كل ممارسة عملية باستمرار.

ولما قرر لينين مغادرة سويسرا عام 1905 والعودة إلى موسكو لم يكن ذلك بقصد المساهمة في الأحداث الثورية، بل للتفرج عليها. أما في شهر أكتوبر 1917 فقد تخفى في باروكة وقص لحيته وشاربه وارتدى لباس العمال... في لحظة كانت فيها المواجهة حادة ودامية. ولذلك قال عنه لابارطي: إن الوسائل الصغيرة التي قد تحقق هدفا بطوليا هي التي تجسد عظمة لينين.

ومع أن لينين كان هو القائد، إلا أن تروتسكي في سنتي 1905 و1917 هو الذي تولى مسؤولية العمل الثوري. ويؤكد هذا، بمعنى أخر، أن لينين عندما كان لاجئا في لندن أو في باريز أو في زوريخ لم يكن مهموما بقضايا الحركة الثورية، بل سعى طول الوقت إلى محاربة (بليخانوف) و(مارطوب) وغيرهما من الخصوم. أي أنه، في الواقع، لم يكن يحضِّر الثورة الروسية، بل كان يعمل على صقل شخصيته الديكتاتورية أساسا. ولذلك قال عن نفسه في مؤتمر 1903:"أنا هو الثورة، أو الثورة هي أنا".

ثم إن لينين لم يكن مهتما بالإضرابات ولا بالتمردات، لأنها في اعتباره لن تمنح أي منطق للثورة البروليتارية. وردا على من عيَّره بالتقاعس قال حرفيا:"إن الضحايا والأبطال ليسوا ضروريين لقضية الثورة، بل إن الثورة في حاجة إلى منطق".

هل كان لينين هو (المنطق) بعد أن تشخص في (الثورة)؟. ربما. غير أنه كان يعتبر نفسه مسبقا وبكل تأكيد، حتى تكتمل الحلقة التي انعقت حول نرجسيته، بأنه نابليون روسيا العظيم!!.

كان لينين خجولا كما يقول مالابارطي، متزمتا، بورجوازيا صغيرا عمل ما في وسعه لكي تصبح الثورة البروليتارية فيما بعد "الإنجازالاشتراكي الأكثر عافية".

وفي أبريل 1918 عندما خرج لينين إلى الجماهير العمالية المحتشدة في (الساحة الحمراء) وهي تهتف باسمه عاليا: أنت نابليون زعيمنا، أنت نابليون زعيمنا.. التفت نحو تروتسكي، الذي كان إلى جانبه، وقال له بسذاجة وهو يبتسم: هل أشْبِه حقا نابليون؟. فاكتفى تروتسكي بأن ردَّ عليه في سخرية حادة: بل إنك لا تشبه حتى (ميخاييل كوتوزوف)!

 

مقالات ذات صلة