كتاب البراقش.. الحلقة 3: المثلية الجنسية

  • الكاتب : عبد القادر الشاوي
  • الثلاثاء 22 مايو 2018, 13:26

مراجعات ثقافية وأدبية وفكرية وذاتية، عبرتُ بها عن اهتمام هو القراءة، وعن دافع يثوي خلف ضرورة المشاركة ألا وهو الكتابة. ربما استفدت مما تتيحه اللغة، بحكم الغنى، من إمكانيات فذة للانفتاح على عوالم حقيقية ومتخيلة هي من صميم التعبير اللغوي نفسه، ولعلها ترتبط بالخيال والتخيل، ولكنها، في جميع الأحوال، من صميم التركيب المبني على الاختبار والمشاهدة والمعايشة والتفكير والتأويل وما إلى ذلك من السبل، التي تنفتح أمام القارئ المهتم العارف باللغة وبالأسرار، التي لا تبوح بها إلا لمن يسبرها ويمتحن تراكيبها وقوة إيحائها. 

 أفتح معجم الأكاديمية الملكية الإسبانية الذي صدر، قبل فترة قصيرة، في طبعة جديدة منقحة ومزيدة، على تعريف: المثلية الجنسية. كدت أتراجع مذعورا في ثوب الخوف وأنا أمد يدي إلى الصفحات الصقيلة لاشتباهي في من يسائلني قائلا: ما فعلك يا هذا؟ قلتُ: أيَقَعُ مجرد البحث في الموضوع وتقليب معناه المعجمي تحت طائلة فصلِ قانونٍ ما... كما هو حال الممارسة نفسها مع أنها حرية وحق؟. مصيبة، لا أعرف. ولما انتصرت على الخوف الباطني، أفادني المعجم إفادات مهمة.

1- ذلك أنه قدم تعريفا جديدا أقرب ما يكون إلى الحياد في شرح معنى هذه الظاهرة الإنسانية، حين عرفها بالممارسة، أي أنه أخرجها من دائرة المعصية والأخلاق إلى رحاب اللسان والبيان. بل ويمكن القول إن الفصول والموانع والعادات والاعتقادات لم يعد لها، في هذا المرجع اللغوي الأساسي لأزيد من نصف مليار من البشر، أي معنى معجمي، أو أي معنى معجمي يحيل على نزعة أخلاقية أو اعتقادات دينية وثوقية. هذه ثورة لسانية عظمى على الكلاسيكية المعجمية الراسخة في العقول والوجدان.

2- وأنه يتطور كتطور المجتمعات الإنسانية الناطقة بالإسبانية، وبتطور لغاتها ضمن اللغة الأم. فهذا المعجم يضيف، في كل مرة، عشرات الكلمات التي ليس لها من الإسبانية في مجتمعات أمريكا اللاتينية إلا الاسم. فهي إما مستنبطة ومولدة محليا، أو مقتبسة ومعدلة من لغات أخرى، أو جاءت من اللغات الأصلية المنتشرة في أمريكا اللاتينية والوسطى... والأهم من هذا وذاك أيضا، ولعله مثير، من مجتمع ملايين المهاجرين اللاتينيين الذين يعدون بالملايين في أمريكا وحدها. والتطور هنا ثورة إنسانية موضوعية على المواضعات التقليدية أيا كان مصدرها.

3- وأجد في هذا كله ليس فقط ذلك الاستيعاب الممكن الرامي إلى الدمج اللغوي، من خلال ترسيخ لغة معيارية مشتركة بين شعوب كثيرة ومتنوعة، بل وأساسا، وهذه رسالة غير مشفرة، لاستعياب التنوع والاختلاف والتعدد بالمعنى الديمقراطي والإنساني. اللغة أيضا يجب أن تكون أداة استعمال ديمقراطي في الاتصال والتواصل وإلا فقدت هذ الدور. وهذا أحد مظاهر الحياة وأقواه غنى في علاقة اللغة كنظام بمستعمليها، ولا يمكن أن تصمد هذه اللغة، على امتداد الزمن، إلا بذلك، أي من خلال تطورها وتطور المجتمعات المنتجة لها بمعنى ما. والعمل على تطوير اللغة وتحيين أدائها يعد، في ما أرى، ثورة اجتماعية، إذا شئنا.... لأن اللغة بقادرة على تغيير علاقات الاجتماع/القوة على صعيد الكائن نفسه وضمن مجموعته البشرية.

وتنويعا على هذا أفتح كتاب (الطفلة التائهة) فأجد فيه، على سبيل الإفادة، أن مصير (غابرييلا ميسطرال) ينتمي، على الأرجح، إلى "الباطوس" (العاطفة) التراجيدي حينا، وإلى الملحمي التوراثي المرتبط بالتصوف والقلق حينا آخر. المصير الغائم الذي منع بروز حقيقة تلك المرأة المُشِعّة النابهة حَدَّ الألم. ومن هنا كان اهتمام الشاعرة بموضوعات وقضايا في غاية التنوع، من التعليم إلى الطفل، إلى الشعر ومصير الهنود، المرأة وأمريكا العميقة، الدين والرواية الروسية، التراجيديا وفلسفة المادة، ومَوْطِنها الأصلي في سهل "الإيلكي" حيث ولدت، الاقتلاع والهجرة والنوسطالجيا...إلخ. قولوا معي: العالم كله!.

ولكنها، في ما يبدو، كانت "منحوسة" أو أصيبت به فلاحقها حيثما انتقلت وَحَيِيت: أولا، عِزةُ نَفْسٍ وَتَسَتُّرٍ في آن. ثانيا: وقارُ الصورة التقليدية المذلة للمرأة الشيلية الخاملة في مجتمع ذكوري مستبد. ثالثا: الوعي الشقي المجبور على التحرر والدافع إلى الهروب، الهروب... حتى هربت بنفسها وتغربت في أمريكا، فنالت من دنياها أنئذ، وهو المهم، مطلبين حَبِيبَيْن: جائزة نوبل عام 1954 التي بوأتها المكانة المستحقة في الشعر وفي الحياة، ثم منالها من عشيقة حياتها المتأخرة الشابة الأمريكية الجميلة (دوريس دانا)... ومن حسن حظها، نعم، أنها نالت ذلك قبل وفاتها عام 1957.

لقد عَلِمَ المواطن الشيليُّ المتوسط، بعد ستين عاما، أن شاعرته المفضلة المذكورة على كل لسان، فضلا عن وجود صورتها على الورقة النقدية الرسمية من فئة خمسة آلاف بيسو، ليست قديسة... بل مِثْلِية!.

تُرى لو عاشت غابرييلا ميسطرال لتقرأ، بشوق، التعريف الجديد الذي أعطاه المعجم الإسباني للمثلية الجنسية: هل كان من الممكن أن تستعيد غربتها، وأن "تنتقم" من لؤم وغفلة أهلها وقرائها، وأن تنسجم مع ذاتها على الهوى الذي غازلها ضدا على (المعصية)؟.


 

مقالات ذات صلة