أســـرار وخفايا مافيات العقار بالمغرب

  • الكاتب : يونس أباعلي
  • الاثنين 7 مايو 2018, 15:57
  • 1333

عكس ما تروجه وزارة العدل من أرقام، عدد ضحايا مافيا السطو على العقارات في ارتفاع مهول، إذ يقدرون بأكثر من 1400 ضحية.. هذا ما كشفت عنه جمعية ضحايا السطو على الممتلكات، التي لا تنفك تؤكد أن بعض المنتخبين والقضاة والمحامين والموثقين أصبحوا سلاحا في يد المافيات.

الحقيقة أن ضحايا مافيات العقار يتساقطون بالمئات، لكن كل يكتوي بالنار لوحده، قبل أن يجرهم ألمهم المشترك إلى التكتل لإسماع صوتهم.. ليخرجوا بشهادات صادمة حول مآسيهم، حيث انتقل كثيرون من فيلاتهم إلى البراكات، فيما التجأ آخرون إلى أصدقائهم اتقاء للشارع.

لقد استطاع الكثير منهم كشف الوجه المأساوي للسطو على العقارات، وأثاروا موضوع شهود الزور، وبادروا بتقديم مئات الشكاوى، إلا أنه مقابل تأخر الحكم فيها صدرت أحكام مدنية قضت بالإفراغ في وجههم وأخرجوا من ديارهم عنوة، إذ مع توالي السنوات، اتضح وجود نتائج أبحاث قضائية أثبتت وجود زور فعلي، لكن بعد فوات الأوان، إذ ترتبت وضعيات جديدة على الممتلكات العقارية المسلوبة، حيث يمكن أن تباع مرات عديدة بالطريقة نفسها، وبالتالي من الصعب إعادتها إلى وضعيتها الأولى. وفي الأقصى يحصل الضحايا على تعويضات لكن فقط إذا تم تفعيل نتائج البحوث القضائية المكتشفة لعملية زور في الوثائق التي أتاحت للمافيات الولوج إلى الرسوم الأصلية، وهنا قانونيا وقضائيا يمكن للضحايا مراجعة وضعية عقاراتهم.

وما يزيد من استفحال ظاهرة السطو على ممتلكات الغير، هو أن مافيات وعصابات العقار تعبد طريقها إلى ممتلكات الغير بطريقة قانونية. إذ وجدت المنفذ في المادة 2 من الحقوق العينية، التي بها لا يحق للمتضرر المطالبة بحقه إذا قام أحد بتزوير أوراق الملكية الخاصة لعقاره ومر على فعل التزوير 4 سنوات، إذ يسقط الحق في الدعوى، ويسقط معه ضحايا أصبحوا يضغطون على السلطات لإنصافهم وتوقيف الأحكام القضائية الاستعجالية الصادرة ضدهم عن المحاكم المدنية، التي أصبحت سلاحا في يد عصابات تواصل تنفيذ أحكام بإفراغ العقارات من الأسر التي تقطنها، بناء على عقود مزورة، في عملية تبدأ بكشف وضعية العقار ورسمه لدى المحافظة العقارية وطبيعة وسند شغله قبل المرور إلى عملية التزوير بوثائق جديدة لإثبات نقل الملكية من المالكين الأصليين أو ورثتهم إليهم أو لفائدة شركات يخلقونها لإخفاء أسمائهم المتكررة، ثم يدخلون بهذه الوثائق المزورة للرسم العقاري لدى المحافظة العقارية، فيصبحون بجرة قلم مالكين ثم يمرون بسرعة البرق لتحريك مسطرة الإفراغ.. وهذا ما نبهت إلى خطورته الرسالة الملكية المؤرخة في 30 دجنبر 2016، التي تتحدث عن استفحال ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير وتزايد الشكايات من طرف الأجانب أو المواطنين خاصة منهم المقيمين بالخارج..

أكثر من 1200 حالة موثقة و9000 عقار مهجور يفتح الشهية

الأرقام التي كشفت عنها أخيرا جمعية ضحايا السطو على الممتلكات، والتي يرأسها محمد متزكي، وهو مهاجر مغربي في إيطاليا ذهب ضحية مافيا قال إنها سلبت منه استثماراته وجرته إلى القضاء، تشير إلى أنه تمت متابعة حوالي 1400 شخص، رفعت ضدهم قضايا بسبب إثبات ملكهم العقاري، فيما ملفات 1200 من ضحايا السطو على العقارات موثقة لدى الجمعية، وهي أرقام يقول القائمون على الجمعية إنها تعاكس تماما أرقام وزارة العدل والحريات، التي تشير إلى وجود حوالي 50 ملفا فقط.

ويرى عبد اللطيف بن يعقوب، وهو متابع لملفات ضحايا العقارات، أن أعداد ضحايا السطو على عقارات الغير تصل إلى الآلاف، بخلاف أرقام وزارة العدل التي أشارت إلى وجود حوالي 400 إلى 500 ضحية فقط. وقد رصدت الجمعية وجود 9000 عقار مهجور تعود ملكيتها لمغاربة يقيمون خارج المغرب، وبالتالي تفتح هذه العقارات شهية المافيات التي تسهل عملية الاستيلاء على العقارات بطرق قانونية لا يعلو عليها صوت الضحية، وكذا إدارية تتواطأ لتسهيل الاستيلاء.

المؤسف في الأمر، يقول بن يعقوب، في حديثه لـ"آخر ساعة"، أنه يتم استعمال أدوات قضائية وقانونية لسلب المواطنين ما يمتلكون من عقار وممتلكات، والأحكام التي استصدرت فيها أحكام قضائية لا يمكن إصلاحها إلا بواسطة أحكام مماثلة، والضحايا الذين نفذ فيه الحكم بالإفراغ يتعذر بحال من الأحول استرجاع ممتلكاتهم، رغم مساعي إصلاح المادة 2، ولن تكون هناك آثار على وضعيتهم التي أصبحوا عليها، فهم ضحايا أدوا ضريبة الضعف التشريعي والتواطؤات الإدارية التي لا ينكرها الجميع، خصوصا على مستوى المحافظة العقارية، يقول بن يعقوب. فما مضمون هذه المادة؟

المادة 2 من الحقوق العينية تعبد الطريق نحو السطو

تقول المادة 2 من الحقوق العينية إن "الرسوم العقارية وما تتضمنه من تقييدات تابعة لإنشائها تحفظ الحق الذي تنص عليه وتكون حجة في مواجهة الغير على أن الشخص المعين بها هو فعلا صاحب الحقوق المبنية عليها"، وتضيف "إن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري، لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه".

هذه المادة يجمع الكل على أنها بمثابة مفتاح لمافيات العقار، إذ بها تمنح "الشرعية القانونية" على فعلها الذي ذهب ضحيته الآلاف ممن حسبوا أنهم في مأمن بعد تحفيظ عقارهم.

لذلك تعالت الأصوات بضرورة تغيير وتتميم المادة 2 من القانون المتعلق بمدونة الحقوق العينية، وقد كان آخر اقتراح للتغيير قدمه مستشارون من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في نونبر الماضي، ينص على "أن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه من تاريخ اكتشاف التزوير أو التدليس، على أن يدخل هذا القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.. أي رفع الدعوى من تاريخ اكتشاف التزوير أو التدليس، وليس من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه، دون التقيد بمدة زمنية".

وبررت المجموعة الكونفدرالية مقترحها بكون جرائم التزوير في الحقوق العينية والممتلكات تؤثر سلبا على ضمانات الرهن العقاري لدى البنوك وعلى الملكية العقارية، وتسبب ضررا كبيرا على الاقتصاد الوطني لارتباطها بجرائم غسل الأموال.

وطالبت المجموعة الكونفدرالية بإعادة النظر في مدة الأربع سنوات التي تبقى قليلة لحماية حق بعض الفئات كالمهاجرين المغاربة الذين يغادرون أرض الوطن لمدة طويلة.. مشددة على أن كل التدابير لن تجدي إذا لم يتم خلق جو من التعبئة والصرامة والجدية والقطع مع منطق التساهل والتردد وتفعيل آليات المسؤولية والمحاسبة في مواجهة الجميع..

نورموندي.. حين أخرج مسؤولون مئات العائلات من شققها

تحكي عمارة نورموندي، الموجودة بشارع أنفا في الدارالبيضاء، قصة مأساة أسر أُخرجت من ديارها بقوة القانون، تلاعبت به عصابة متخصصة يقضي زعيمها عقوبة السجن حاليا فيما الحال بقي كما كان عليه بالنسبة لهاته الأسر.

تقول القصة إنه مباشرة بعد وفاة مالك العمارة منذ سنوات، وهو معمر سويسري، في ظروف ملتبسة، تمكن بعض الأشخاص من الولوج إلى الرسم العقاري الخاص بالعمارة التي تضم حوالي 200 شقة، واستطاعوا بقدرة قادر أن يصبحوا مالكيها. هذه المافيا استغلت عدم استكمال المشترين لإجراءات تحفيظ الشقق، فالتجأت إلى القضاء الاستعجالي لإصدار أحكام بالإفراغ، وهو ما تسبب في إخراج العشرات من شققهم، بقوة القانون، من بينهم فتاة معاقة ويتيمة (ي.ب)، مازالت منذ 6 سنوات هي وغيرها من العشرات يطلبون الإنصاف.

بعض السكان الذي استقت "آخر ساعة" آراءهم، يقولون إنهم تعرضوا لعملية نصب محاكة بطريقة خيالية، ولفتوا إلى أن زوجة قاض حكم في الملف أضحت بعد الحُكم تملك أكثر من شقة في العمارة. كما أن هناك موظفا في المحكمة التي أصدرت أحكام الإفراغ أصبح مالكا لشقة، عن طريق والدته، إلى جانب قضاة ومسؤولين كان لهم نصيب من الشقق.

ورغم أن زعيم العصابة وبعض أفرادها انتهى بهم المطاف في السجن، في القضية ذاتها وقضية سطو على فيلا في حي لوازيس و13 فيلا أخرى، إلا أن عمليات بيع وشراء الشقق في العمارة لم يتوقف، تؤكد مصادر الجريدة.

من الفــيلا إلى البــراكة.. حكايات غريبة

في ندوة عقدتها جمعية ضحايا السطو على العقارات، الشهر الماضي، قدمت عشرات العائلات ضحايا مافيات العقار شهادات غريبة أقرب إلى الخيال، وروت كيف أنه بقدرة قادر طردت من منازلها وفللها وأراضيها بعدما كانت في ملكيتها لعقود. ليتضح أن هناك من العشرات ممن انتقلوا من فيلاتهم إلى الكاريان، وانتزعت ملكيتهم بجرة قلم وبوثيقة إدارية حديثة، وذاق أصحابها الاعتقال والتنكيل والتشريد.

يقول طاعن في السن عبر شهادتها التي قدمها ضمن الندوة ذاتها إنه "في سنة 2016 تفاجأ بالقوات العمومية تهم بإخراجه مع أولاده في وقت مبكر من الفيلا التي كانوا يقيمون بها، وأضاف "اتهموني بأنني أقيم في عقار ليس في ملكي، وسلبوني سكني ومحلي التجاري.. أنا الأن بدون مأوى وأسكن عند أقاربي".

من فيلا في أكدال إلى كاريان

كانت حدوفان يطو، وهي مسنة تتحدر من مدينة الرشيدية، تكتري فيلا في أكدال بالرباط، تعود ملكيتها لفرنسي غادر المغرب ومنح توكيلا لمغربي باع لها في الأخير هذه الفيلا. في شهادتها تقول لـ"آخر ساعة" إنها بعد مرور سنوات من ملكيتها للعقار، تفاجأت بشخصين حلا بفيلاتها رفقة مواطن فرنسي يحمل وكالة، يعتبر من خلالها أنه من الورثة الأصليين للفيلا التي تركها المعمر الفرنسي. وفي لمح البصر أصدرت أحكام بالإفراغ ضدها تزامنا مع عيد أضحى، وهي الآن تسكن في براكة في العاصمة الرباط. يطو تقول إنها لم تستسلم للأمر، إذ توجهت إلى باريس لاستجلاء الحقيقة، حيث تحصلت على وثيقة رسمية من هيئة الموثقين العصريين تؤكد أن السيدين اللذين نصبا عليها لا ينتميان إليها، لكمن لم ينفع ذلك في إثبات زور الوثيقة التي أخرجتها من مسكنها.

فيلات بوركون.. من إشكال إداري إلى تشريد أسر

مازال العشرات من قاطني 10 فيلات في حي بوركون بالدارالبيضاء يخوضون معركة قضائية طويلة منذ سنوات لاسترجاع مساكنهم، بعد أن وجدوا أنفسهم في مواجهة شخص يدعي أنه المالك الحقيقي للفيلات التي اشتروها منذ سنوات، في حين يؤكدون أنه ضمن عصابة عرفت كيف تتحايل على القانون وتزور الرسم العقاري للفيلات، مستغلة خطأ إداريا شاب عملية التحفيظ، وإلى الآن لم تنته مساعيهم إلى نتيجة، باستثناء تمكن بعضهم من استرجاع ممتلكاتهم.

شخص يشرد 80 أسرة في سلا

اشترى العشرات من المواطنين في سلا، منذ منتصف الثمانينات، بقعا أرضية من شخص، عن طريق عقد عرفي، فشرعوا في البناء. ولأن البقع الأرضية بقيت في الرسوم العقارية باسم مالكها، اضطر البائع ذات مرة إلى وضعها كضمان مقابل حصوله على قرض، ولأنه عجز عن أدائه حُجز العقار وبيع في مزاد علني، ورغم سعي المشترين إلى شراء العقار تمكن شخص من شرائه، وبسرعة استصدر قضاء استعجاليا بإفراغ العقار رغم أن جله أصبح شققا، ليجد المشترون أنفسهم خارج منازلهم، ومازالت المسطرة القانونية التي يتبعونها لم تفض بعد إلى حل لمشكلتهم.

البيع العرفي.. سلاح ضد الضحايا

تعديل المادة الرابعة من الحقوق العينية منع أي عمل عقاري بالعقود العرفية، عكس ما مضى، إذ أصبح الأمر من اختصاص الموثقين أو المحامين أو العدول. ومن شأن تعديل المادة القطع مع التعامل مع العقود غير المثبتة التاريخ، والتي لا تكلف البائع والمشتري إلا توثيق عمليتهم عند كاتب عمومي والمصادقة عليه بتنبر 20 درهما، عكس العقود الثابتة التاريخ التي يحررها شخص مؤهل له مسؤولية.

ويأتي مشروع تعديل المادة الرابعة، بقرار من الحكومة سنة 2016، وهي خطوة تلت الخطاب الملكي الذي حذر من مافيات السطو العقار وتبعات عملياتها على المناحي الاقتصادية والاجتماعية، بسبب البطء التشريعي في تنزيل التعديل.

بين الجدل الفقهي والتشريعي

تتجاذب المعاملات العقارية مدرستان، فهناك مدرسة تنتصر إلى استقرار المعاملات العقارية، ومدرسة تقول بالحق في الملكية. الخلاف عميق بين المدرستين، إذ ترى الفئة الأولى أن المشتري الجديد للعقار بحسن نية، لا يمكن تجريده من ملكه ولو ثبت وجود زور في عملية شرائه للعقار، على اعتبار أن تجريده سيهدد المعاملات التجارية ويحدث اضطرابا اقتصاديا، وبالتالي وجب الاعتراف له بالحق في الملكية وإلزامه بأداء تعويض لتحقيق استقرار المعاملات التجارية.

أما الفئة الثانية فترى أن الحق في الملكية هو الأصل وما يرد عنها سواء كان بحسن نية أو سوء نية فهو باطل لأنه مبني على باطل وبالتالي يجب إرجاع الملكية إلى أصحابها الذين يستطيعون إثبات الملكية عن طريق القضاء.

السطو بتسهيل إداري

إلى جانب الثغرة القانونية التي تعكسها المادة 2 المرتقب تغييرها، يبرز خلل آخر على مستوى المحاكم الإدارية، إذ أبرز متزكي غياب تعميق البحث من طرف الفرقة الوطنية. ويوضح "عندما يرفع شخص ما دعوة في المحكمة ويدعي أحقيته بامتلاكه لعقارك، تقوم المحكمة بمطالبتك بالإفراغ، لأنه يملك شهادة ووثيقة إدارية، رغم أني أملك وثيقة أصلية وأطعن في تلك الوثيقة المزورة، لدى الوكيل العام الذي بدوره يحيل الأمر إلى الفرقة الوطنية"، والذي يستغرق وقتا طويلا حسب الحالات. ويؤكد متزكي على ضرورة إيقاف التنفيذ بالإفراغ، لأن العائلات تتشرد في الشارع، قبل التأكد من صحة الوثائق الإدارية الجديدة من طرف الجهات ذات الاختصاص.

وفي بعض القضايا استغرق الأمر سنوات طوال، فمات من مات، وانقلبت حياة عائلاتهم رأسا على عقب، قبل أن يسترجع الحق لأصحابه ويثبت تورط المتواطئين. وحول مطالب المتضررين، تقر جمعية ضحايا السطو على الممتلكات بتقدم الجهود التي تبذلها وزارة العدل، بفضل الرسالة الملكية التي أوصى فيها بضرورة إحداث لجنة لتتبع هذه الظاهرة المستشرية، وكذلك بفضل استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، وهو ما أسفر عن تفكيك عدة عصابات تنشط في العقار.

وتطالب الجمعية بتعديل المادة 2 من مدونة الحقوق العينية، كما تعتبر نفسها أولى بأن تكون عضوا في لجنة وزارة العدل، بحكم أنها تحتوي على أكبر عدد من المتضررين، ويجب الاستماع إليهم. ولهذا السبب، يختم متزكي "نطالب بإحداث هيئة وطنية على غرار الانصاف والمصالحة لتعويض المتضررين وللقطع مع لوبيات الفساد".

الرسالة الملكية.. صرخة لوقف المآسي

مباشرة بعد الرسالة الملكية التي لفتت إلى خطورة ظاهرة السطو على العقارات، بعد ورود شكايات بالجملة، لما تحرك المسؤولون، أعلنت وزارة العدل أن لجنة مكونة من ممثلين عن القطاعات الحكومية والمهن القانونية والقضائية، اعتمدت سلسلة من التدابير والمقترحات على المستويات التشريعية والتنظيمية والعملية بغية التصدي الفوري والحازم لأفعال الاستيلاء على عقارات الغير. وجرى إحداث هذه اللجنة بناء على ما ورد في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى وزير العدل والحريات بتاريخ 30 دجنبر 2016، في شأن التصدي الفوري والحازم لأفعال الاستيلاء على عقارات الغير ومواجهتها بخطة حازمة ومتكاملة من خلال اتخاذ ما يلزم من تدابير وقائية وتشريعية وتنظيمية وعملية، تعمل على تحديدها وتنفيذها آلية تحدث لهذه الغاية مكونة من كل الجهات والمؤسسات المعنية، وذلك وفق منهجية تشاركية تؤمن فعالية ونجاعة التدابير المتخذة.

هذه اللجنة تتكون من ممثلين عن وزارة العدل والحريات، وممثل عن وزارة الداخلية، وممثل عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، وممثل عن الأمانة العامة للحكومة، وممثل عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، والمدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والمحافظ العام على الأملاك العقارية، وممثل عن المديرية العامة للضرائب، والوكيل القضائي للمملكة، ورئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ورئيس المجلس الوطني للموثقين، ورئيس الهيئة الوطنية للعدول.

اللجنة عقدت سلسلة من الاجتماعات لتدارس الموضوع والانكباب على وضع خطة عمل عاجلة للتصدي لأفعال الاستيلاء على عقارات الغير، مبرزا أن هذه الاجتماعات أسفرت، إلى غاية اليوم، عن اتخاذ مجموعة من التدابير والمقترحات الآنية في جانبيهما الوقائي والقضائي.

الأمر يتعلق، على المستوى التشريعي، بتعديل المادة 4 من مدونة الحقوق العينية بإضافة الوكالة ضمن الوثائق الواجب تحريرها بمحرر رسمي أو من طرف محام مؤهل لذلك، وتعديل الفصل 352 من مجموعة القانون الجنائي، وذلك بتوحيد العقوبة بخصوص جرائم التزوير بين جميع المهنيين المختصين بتحرير العقود من موثقين وعدول ومحامين.

كما تهم هذه التدابير منح ممثل النيابة العامة وقاضي التحقيق والمحكمة الصلاحية في اتخاذ تدبير عقل العقار موضوع التصرف إلى حين البت في القضية، وتعديل تشريعي يتعلق بالسجل التجاري ليصبح "سجل التجارة والشركات" حتى يشمل، إلى جانب الشركات التجارية، الشركات المدنية التي لا تمارس أعمالا تجارية، فضلا عن تعديل تشريعي بإضافة صلاحيات الجهة المسيرة للشركة ضمن البيانات الأساسية التي يتضمنها النموذج"7"، وذلك من أجل تحديد المسؤوليات، وضبط صلاحيات المسيرين لاسيما في مجال تفويت عقارات الشركة.

وعلى المستوى التنظيمي والعملي، التدابير والمقترحات المعتمدة تهم إنجاز إشهار رقمي من طرف الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية لكافة الرسوم العقارية، تتيح للملاك تتبع وضعية عقاراتهم من خلال الاطلاع على البيانات المسجلة بالرسوم العقارية التي تعنيهم عبر البوابة الالكترونية دون تحمل عناء التنقل إلى المحافظة العقارية، وحصر العقارات المحفظة المملوكة لمتغيبين أجانب أو مغاربة، واتخاذ الترتيبات اللازمة للتأكد من صحة الوثائق والعقود المبرمة بالخارج عبر مراسلة السلطات الأجنبية المختصة طبقا للاتفاقيات الدولية المعتمدة، بالإضافة إلى استعمال تقنية التسجيل السمعي-البصري عند تحرير العقود من طرف العدول والموثقين والمحامين.

وتشتمل التدابير المعتمدة إحداث مركز إلكتروني للأرشيف يخص العقود المبرمة من طرف الموثقين، واتخاذ التدابير الضرورية بشأن احتفاظ كتابات الضبط بالمحاكم بنظائر من العقود المحررة من طرف المحامين، وتسجيلها وترقيمها في سجل خاص معد لهذه الغاية، إلى جانب تشجيع الملاك على سحب نظائر الرسوم العقارية المتعلقة بهم، وحث المحافظين على الأملاك العقارية من طرف المحافظ العام بعدم تقييد التصرفات العقارية للشركات المدنية العقارية بالرسوم العقارية كلما تبين أنها تمارس نشاطا تجاريا إلا بعد تسجيلها بالسجل التجاري.

وذكر المصدر ذاته أن القائمة تشمل أيضا اتخاذ التدابير الضرورية للقيام بتسجيل الشركات المدنية العقارية بالسجل التجاري حينما تمارس عملا تجاريا ودعوة النيابات العامة إلى تتبع الأبحاث الجارية يشأن قضايا الاستيلاء على عقارات الغير بالحزم والصرامة اللازمين والحرص على تسريع وتيرتها والتنسيق مع مختلف المتدخلين في المجال، وذلك لإضفاء الجودة والفعالية عليها، بما فيها تفعيل الإنابات القضائية الدولية، وكذا السهر على المساهمة في تجهيزها والبت فيها داخل أجل معقول، مع تقديم الملتمسات الكفيلة بتحقيق الردع وسلوك طرق الطعن المتاحة قانونا.

تعديــلات تشريعية وقانونية مرتقبة

يلفت عبد اللطيف بن يعقوب إلى أن المادة 2 من الحقوق العينية مازالت قائمة إلى الآن، لكن يوجد مقترح قانون قدمته فرق الأغلبية لتغييرها، وقد دخل مرحلة المسطرة التشريعية أمام لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب، وتمت المناقشة العامة الأولية وارتأت اللجنة أن تشكل لجينة صغيرة لتعميق النظر في المقترح، على أن تعرض تقريرها على لجنة العدل والتشريع خلال الشهر الجاري.

وفي مسار إنهاء القسور والبطء التشريعي والقانوني والإداري، الذي أنتج مآسي أسر أفراد وعائلات، قال بن يعقوب إن خطوة أخرى مهمة ترتأي القطع مع هذا التسيب، هي تعديل المادة الرابعة من الحقوق العينية، لكي تصبح جميع التوكيلات في البيع أو الشراء صادرة عن جهة مؤهلة لكتابة العقود. أي إنهاء حقبة اللجوء إلى كاتب عمومي ليبرم عقدا عرفيا، وإعطاء الاختصاص إلى محامي أو عدل أو موثق عصري. هذا التعديل مهم جدا يقول المتحدث ذاته، لأنه قطع طريقا سهلة ظلت عصابات العقارات تسلكها.

هذه الرزنامة تم اتخاذها بعد الرسالة الملكية في سنة 2016، التي وضعت الأصبع على الداء، وكانت بمثابة صرخة في وجه مافيات العقار. وعلى إثر هذه الرسالة أمر وزير العدل بإحداث لجنة مكونة من وزارتي الداخلية والفلاحة وهيئات الموثقين والعدول والمحامين، أفرزت إجراءات من أهمها، على المستوى القضائي، إعطاء التعليمات للنيابة العامة لكي تنتصب طرفا مدنيا في جميع القضايا المتعلقة بقضايا الزور في مجال العقار، عندما يثار الزور في العقار تنتصب النيابة العامة طرفا يؤازر الضحايا.

ويلفت المتتبع لملفات ضحايا السطو على العقارات، إلى أن المحافظة العقارية ألزمت بعدم إجراء أي بيع، إلا بعد التمحيص والبحث في وثائق البائع والمشتري، وهذا الإجراء يستهدف بالأساس عقارات الأجانب، عكس ما كان العمل به جاريا، بحيث يمكن الاكتفاء بإدلاء رسم البيع بالوكالة أو بالنيابة. كما أتاحت المحافظة العقارية برمجية تمكن من تحيين المعطيات وإظهار ما إذا كان الرسم العقاري فيه مستجد، وهي برمجية متاحة للمواطنين لمعرفة مضمون رسمهم العقاري عن بعد.


 

مقالات ذات صلة